حياتك دوائر!

حياتك دوائر!

سيبقى هذا العصر، الذي يستحق بجدارة أن نطلق عليه “عصر التوتر والقلق”، مليئاً بالتحديات في كل مكان، في العمل والبيت وحتى في الشارع بينهما! لذلك فلا مهرب للإنسان إلا بتقوية نفسه من الداخل وتعزيز مناعتها. هذا الموضوع كنت كتبت فيه من قبل، لكنه من الموضوعات المفيدة الصالحة للتناول مجدداً مرات ومرات. عصرنا الحالي هذا العصر المتسارع، وأعني المتسارع في كل شيء.
في الأحداث السياسية… بلدان تحتل وتستقل، ورؤساء يرتفعون ويسقطون؛ وفي الاقتصاد؛ وعلى صعيد الربح والخسارة… شركات ترتفع ثم تهوي بسرعة البرق؛ وتسارع في العلاقات الاجتماعية، أناس ترتبط وتنفصل في أيام معدودة؛ وهو كذلك عصر التقدم التقني؛ التقدم في تقنيات الخير وتقنيات الشر، فهناك تقنية الكمبيوتر والإنترنت والدواء، لعمران الدنيا وإسعاد أهلها، وأيضا تقنية الأسلحة والسموم، لتخريبها وإهلاك أهلها، وهو عصر الإعلام الصاروخي الخارق، حيث لا حدود رغم آلاف الحدود، ولا حواجز رغم آلاف الحواجز لكن أسماء العصر جميعها، وإن اختلفت وتنوعت، تقود في النهاية إلى الاسم الجامع الذي نصل إليه من كل ما سبق، عصر اليوم هو دون شك “عصر التوتر والقلق النفسي” للناس جميعهم! وإن ظن البعض أنهم في معزل عن هذا فهم مخطئون.
القلق النفسي بحسب التعريف الطبي، هو رد فعل الجسم البشري مع أي تغيرات تحصل في البيئة من حوله “أو داخله”، وقلت تغيرات ولم أقل أحداثاً سلبية، لأن من المهم أن ندرك أن التغيرات التي تسبب القلق النفسي ليست مقصورة على السلبية منها كمصاعب العمل أو فقدان قريب، أو ما شابه، بل حتى التغيرات الإيجابية تسببه، فالترقية الوظيفية تسببه، والمسكن الجديد يسببه، والاستعداد للسفر، وحتى الزواج يسببه، هذه التغيرات كلها تشكل ضغطاً كبيراً على نفس الإنسان حتى إن لم يدرك ذلك، وهي جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان الذي يعيش في هذا العصر.
هذا الإدراك، هو المفتاح السحري للتعامل الناجح مع القلق النفسي، من المهم أن ندرك أنه لا يمكن أن يتخلص الإنسان من القلق ما دام يعيش في هذا العصر، لأنه مهما فعلنا سنبقى مطاردين بأخبار الحروب والدمار عبر الصحف والتلفاز والإذاعة والإنترنت، كما أن العصر سيبقى مليئاً بالتحديات في كل مكان، في العمل والبيت وحتى في الشارع بينهما! لذلك فلا مهرب للإنسان إلا بتقوية نفسه من الداخل وتعزيز مناعتها.
يمكن ذلك من خلال استراتيجيتين متلازمتين: الأولى، تتمثل بأن يسعى إلى أن يفصل ما بين مصادر القلق، فلا يحمل معه ضغوط العمل إلى البيت، أو العكس، ولا يسمح لأي من المصدرين بالاستيلاء على حقه في الحصول على قسط كاف من النوم، حياة الإنسان تنقسم إلى ثلاث دوائر، دائرة في العمل ودائرة خارجه (في البيت وأنشطته الأخرى) ودائرة في النوم، والتوازن مهم وحيوي بين هذه الدوائر الثلاث، وحينما يختل فسيصبح الإنسان مكشوفاً أمام سياط الضغط النفسي، هذه الاستراتيجية ليست سهلة لكنها أيضاً ليست مستحيلة، ويمكنها أن تتحقق بالتمرين والممارسة.
الاستراتيجية الثانية، هي أن يجعل الإنسان فيما بين تلك الدوائر الثلاث من حياته فترات يقضيها في أنشطة تدخل الراحة على نفسه. رياضة معينة، أو هواية ما (مهما بدت سخيفة للآخرين)، ويمكن كذلك أن يقضي تلك الفترات في مجرد الاسترخاء التام والتأمل، وأعرف أن هذا قد يبدو غريباً بعض الشيء، لكنه مفيد جداً، فالبحوث والتجارب أثبتت أنه يعيد إلى النفس الكثير من توازنها.
تمنياتي للجميع بصحة نفسية جيدة، وحياة مليئة بالسعادة والفرح والحب.

أزمة ورق التواليت!

أزمة ورق التواليت!

الأصوات الحكيمة عند نشوب الأزمات هي عملة نادرة دائما، لكن العملة الأندر منها هي الأصوات الحكيمة عند أصحاب القرار الذين يمتلكون القدرة على عمل شيء!

في 19 ديسمبر من العام 1973، وفي برنامجه المسائي الشهير على قناة NBCآنذاك، ألقى مقدم البرامج الأميركي الشهير جوني كارسون نكتة حول أن الولايات المتحدة ستعاني نقصا حادا في إمدادات ورق التواليت!

في الصباح التالي، هرع الكثير من العشرين مليون مشاهدا الذين تابعوا نكتة كارسون في المساء إلى الأسواق ومحال السوبر ماركت، وقاموا بشراء كل ما طالوه من ورق التواليت، ولم يأت منتصف النهار حتى كانت الأرفف فارغة عن بكرة أبيها من ورق التواليت!

على إثر ذلك، خرج كارسون مرة أخرى، واعتذر من خلال برنامجه عن تلك النكتة، وشرح أن الموضوع مجرد نكتة وليس له أساس من الصحة، لكنه وبالرغم من ذلك فشل في إقناع الناس، حيث إن الأرفف الفارغة استمرت في التعبير عن أزمة باتت رأي العين، وظل الناس يسحبون كل كميات ورق التواليت ما إن تنزل إلى الأسواق!

قامت محطات التلفزة بتصوير مصانع ورق التواليت وهي تستمر في الإنتاج بأقصى طاقتها لطمأنة الناس، ولم يجد ذلك نفعا واستمرت حالة الهلع والرعب بتغذية نفسها، واستمر الناس في شراء كل ما يتحصلون عليه من ورق تواليت!

استمر الهلع لعدة أسابيع، حتى تمكنت المصانع من ضخ كميات ضخمة تفوق إنتاجها المعتاد إلى الأسواق لتوصل الناس إلى حالة من التشبع، لتنتهي بذلك أزمة تعد من أظرف الأزمات التي مرت على المجتمع الأميركي.

هذه القصة المضحكة هي نفسها الحالة التي تمر بها البنوك أحيانا، (ومر بها أحد البنوك الكويتية أخيرا).

يبدأ الأمر بإشاعة أو بمعلومة غير صحيحة أو ناقصة، تصل إلى عموم الناس، فتنتشر بينهم كانتشار النار في الهشيم، ليندفعوا لسحب أموالهم المودعة في البنوك، مما يسبب ضغطا على قدرات البنك في التجاوب مع طلب السيولة المرتفع، ليدور الأمر في حلقة مفرغة من الهلع. طلب مستمر متزايد لسحب الأموال يقابله تقلص في قدرة البنك على الاستجابة بطبيعة الحال، فتصبح الأزمة الخيالية أزمة مالية حقيقية!

أغلب أزمات الناس، إن لم يكن كلها، يندلع تحت وطأة الهلع الذي يؤدي إلى انعدام القدرة على التفكير المنطقي والصحيح، فتدور العجلة ساحقة أمامها كل نداءات العقل والحكمة.

أزمة البورصة الكويتية على سبيل المثال، ترتبط في جانب كبير منها بالهلع والخوف وبما يسمى عند المتداولين نظرية (القطيع)، فأغلب الناس تركض عند أول صيحة لترمي بكل ما عندها من أسهم بأبخس الأسعار رغبة بالهروب من السوق ولو بجزء من رأس المال!

ديفيد الكويتي!

ديفيد الكويتي!

جلس إلى جانبي في الطائرة، كان شاباً طويلاً وسيماً يرتدي بذلة، ولم تكن هيئته وملامحه تدل على أنه كويتي. بعد محادثة قصيرة سألته عن سبب زيارته للكويت فأجاب بأنه يعمل هنا. قابلني بذات السؤال فقلت له بأني كويتي، تبسم ضاحكا وهو يقول: هل تصدق بأني قد أكون كويتيا أكثر منك! فاجأني تعليقه، فقلت: كيف؟ قال: واضح أني أكبر منك في العمر، لقد ولدت في شرق قبل أكثر من خمس وأربعين سنة وتنفست هواء الكويت ومشيت على ترابها لسنوات طويلة، وتلقيت بعدها تعليمي كله فيها، حتى خرجت مع من خرجوا في فترة الغزو والتحرير، بعد أن تم تصنيفنا على أننا رعايا ما سمي آنذاك دول الضد. قصدت أميركا، وهناك استقر بي المقام فتزوجت وحصلت على الجنسية الأميركية وتحول اسمي من داوود إلى ديفيد، ودار الزمان لأعود إلى الكويت وأتسلم رئاسة إحدى الإدارات في شركة من شركات الاستثمار.

قضى ديفيد بقية الحوار معي في التحسر على ما آلت إليه أحوال بلده الكويت على المستوى الاقتصادي والإداري.

يقول إن الكويت لا تعاني أي مشكلة في القدرات المالية، ولا في نقص الكفاءات والكوادر، ولا ينقص أبناءها الذكاء حتى تصبح واحدة من أكثر دول العالم تطوراً ورقياً، لكن ما ينقصها الإرادة الصادقة والإخلاص من أبنائها تجاهها والعمل الدؤوب للوصول بها إلى ذلك المستوى.

ما قاله لي داوود، ذلك العربي الذي خرج من الكويت مغضوباً عليه، وعاد إليها ديفيد الأميركي الذي صارت بوابات المطارات العربية «تضرب له تعظيم سلام»، جعلني أسترجع من ذاكرتي كلمات قرأتها في أحد المنتديات بما معناه بأن الولاء لأي بلد ليس كلمة تقال في العلن، ولا ورقة يحملها المرء في جيبه، وإنما هو فعل إرادي وممارسة حقيقية.

الولاء أن تحترم القانون وتتبع تعليماته حتى ولو كنت لا تخشى العقوبة، وحتى لو لم يكن يراك أحد. الولاء أن تعطي وتخلص في عملك حتى لو لم يسألك أحد. الولاء أن تقدم مصلحة بلادك على مصلحتك الشخصية. هذا هو الولاء.

هنالك عبارة شائعة تقول: «جميل أن يموت الإنسان لأجل وطنه، لكن الأجمل أن يحيا لأجل هذا الوطن». صدق القائل، ففعلاً من الجميل أن يموت الإنسان شهيداً لأجل وطنه، لكنه أمر قد لا يسنح لكل إنسان أن ينال شرفه، لذا فالأجمل حقاً أن يكرس الإنسان حياته لأجل وطنه، وهذا هو الحب الحقيقي وهذا هو الولاء الحقيقي، الذي هو أمر متاح للناس كلهم.

الولاء لا علاقة له بالأصل لأنه ليس عرقاً أو دماً يعود بالمرء إلى عائلة أو عشيرة أو قبيلة تعيش على هذه الأرض منذ قديم الزمان، وإنما هو شيء أكبر وأعمق. لذا فلينظر كل واحد منا إلى نفسه وإلى مقادير عطائه وإخلاصه في عمله، وإلى مقادير احترامه لقوانين بلده ونظمها، ومقادير انشغاله بهمومها وآلامها، وحرصه على السعي إلى تنفيذ آمالها، وحينها سيعرف أين تقع درجته على سلم الولاء.

 

كلمات في ذكرى استشهاد الحسين بن علي!

كلمات في ذكرى استشهاد الحسين بن علي!

«أيها الناس، إذا لم نخرج بالحسين أمام العالم فبمن نخرج؟ ما النموذج الذي نقدمه إذا لم نقدم أمثال هؤلاء الأبطال»… قائل هذه العبارة ليس رجلاً شيعياً، كما قد تظنون، بل قائلها شيخ سني من خريجي كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد، هو الشيخ حسن قاري الحسيني، وهو من أبدع من أنصفوا آل البيت عليهم السلام في زمننا الحاضر.

استذكرت هذه العبارة وأنا أشهد هذا الانصراف الواضح من العالم السني عن الالتفات لمآثر آل البيت، والابتعاد عن التفكر والوقوف عند واحدة من أعظم حوادث التاريخ الإسلامي، ألا وهي حادثة استشهاد الحسين بن علي عليه السلام، وكذلك وأنا أشاهد كيف تحولت هذه الحادثة المليئة بالعبر والدلالات الشرعية والأخلاقية والسياسية، إلى مجرد مؤسسة سنوية للحزن، على يد فئة تصل أحياناً بالمغالاة في إظهار هذا الحزن والتفجع حدوداً جعل من الأمر مشهداً عالميا تتداوله وكالات الأنباء العالمية بروحية الاستغراب والاستهجان، بل والتدليل على غرابة تصرفات المسلمين، (حتى اقترن في أبحاث علماء النفس والإجتماع والحضارة اسم الشيعة بالحزن، وأنها الطائفة المغموسة في الحزن، وليس الأمر كذلك)، كما قال الشيخ محمد مهدي شمس الدين في أحد مقالاته.

إن الحسين الذي قال عنه الرسول عليه الصلاة والسلام (من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)، وآل البيت جميعاً، ليسوا رمزاً خاصاً بالطائفة الشيعية، حتى ينصرف عنه السنة بهذا الشكل الواضح مهما حاولنا إنكاره، وهم كذلك ليسوا وكالة حصرية لإيران حتى يختفي ذكرهم بهذا الشكل الفاقع من المناهج الدراسية في دول العالم الإسلامي السني كلها. كما أن الحسين في المقابل ليس حادثة كربلاء فقط، بل هو سيرة حياة عظيمة حافلة يجب التوقف عند كل مفاصلها والنظر إليها والتعلم منها جميعاً وصولاً إلى الحدث الأعظم فيها ألا وهو ثورة هذا الإمام العظيم ضد ظلم وجور السلطان التي توجت بحادثة استشهاده.

إن النظر إلى حادثة استشهاد الحسين في كربلاء على أنها مجرد مظلومية أوقعها السلطان الجائر عليه وعلى آل البيت، هي نظرة هزيلة تمسخ المعنى الأعظم لحقيقة هذه الواقعة، فاستشهاد الحسين لم يكن حدثاً مفاجئاً له، فقد سار عليه السلام برباطة جأش وبعزيمة لم تتزحزح بالرغم من أنه كان يرى من تبعوه يتخلون عنه واحداً تلو الآخر، حتى دعا عليهم قائلاً (اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فإنـهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا)، واستمر هذا حتى غدا رجحان كفة النزال العسكري المباشر لمصلحة الطرف الآخر واضحاً بلا التباس، وصار يعلم أنه شهيد!

الحسين كان يحث السير إلى هذه المواجهة لأنه أراد أن يجسد موقفاً تاريخياً لكل أمة الإسلام على مر التاريخ والعصور يفيد بضرورة الوقوف في وجه الظلم والطغيان وإن تطلب الأمر بذل الدم في سبيل ذلك.

مخطئ من يظن أنه كان صراعاً لأجل السلطة، ففقه الحسين لا يقل عن فقه أخيه الحسن عليه السلام الذي تنازل عن السلطة والخلافة لمعاوية حين رأى أن ذلك هو القرار السياسي الأصوب لمصلحة الأمة في تلك المرحلة. الحسين وآل بيته خرجوا جميعاً يحملون مشروعاً للأمة الإسلامية بأسرها، ومشروعهم لم يفشل باستشهاد الحسين ورفاقه، بل ترسخ في ذاكرة التاريخ وفي القلوب المؤمنة بأبهى صور التضحية وتقديم أغلى الأثمان في سبيل حرية الإنسان.

إن ذكرى استشهاد الحسين التي أنشأتها السيدة زينب عليها السلام كما تقول بعض المصادر، لم تكن ذكرى حزن مجردة، ومأتم بكائي محض، بل كانت أداة مقاومة لنفس السلطان الجائر الذي قتل الحسين، والمعركة لم تنته بحادثة الاستشهاد، وما كان لها أن تنتهي، بل استمرت عبر آل البيت وأتباعهم. لذلك فإن التعامل مع هذه الحادثة العظيمة اليوم وصبها في هذا المصب الضيق من خلال جعلها ذكرى سنوية للحزن والتفجع اللا محدود، هو تحطيم لعظمتها وإفراغ لها من قيمتها الحقيقية الكبرى.

يجب أن تصبح هذه الحادثة وعموم السيرة العطرة للحسين بن علي وآل بيته، على الرسول وعليهم أفضل الصلاة والسلام، مدرسة علم وفخر ورفعة وبهجة للإسلام والمسلمين جميعهم، لا ذكرى حزن وانكسار.

هذه المدرسة الزاخرة وهذا النموذج البهي وكثير من النماذج الإسلامية مما هو مثله هو ما يجب أن نخرج به للعالم أجمع، لأنه أعظم من كل ما يقدمه لنا العالم من بطولات لأشخاص وشعوب من الشرق والغرب ناضلوا وقدموا أنفسهم في سبيل مواجهة الظلم والطغيان في بلدانهم.

هل أنت من الأغنياء؟

هل أنت من الأغنياء؟

كلما تقدمت بي تجارب الحياة ومضت بي السنوات آمنت أكثر بأن لا شيْ في هذه الدنيا يعدل الصديق. وعندما أستخدم كلمة “الصديق” هكذا لوحدها مجردة فأنا أقصد بها بأن ذلك الشخص المقصود إما أن يكون صديقا أو لا يكون، فلا يوجد شيء اسمه صديق حقيقي وآخر غير حقيقي مثلا، لأن الصديق إما أن يكون حقيقيا وإلا فإنه ليس بصديق من الأساس. كما أنه لا توجد مراتب للصداقة، فالصداقة مرتبة واحدة، ولا يوجد صديق مقرب وصديق أبعد قليلا وصديق بعيد. الصديق إما أن يكون لصيق النفس والروح أو لا يكون صديقا أبداً. نعم، هناك مراتب للرفاق وللمعارف وللزملاء، ولكن ليس هناك مراتب للصداقة أبدا. الصداقة مرتبة واحدة ناصعة البياض فاقع لونها تسر الناظرين!

وقد أدركت اليوم أهمية الصديق بعدما مررت بعشرات بل مئات التجارب الانسانية، فلمست عميقا بأن الانسان مهما تمتع بالرجاحة العقلية وبالصحة النفسية يظل محتاجا إلى عقل آخر يكون امتدادا لعقله فيستند إليه، وإلى نفس أخرى تعانق نفسه فتشد من أزره، وإلى كتف يرمي عليه برأسه المتعب إن هي أطبقت عليه الأفكار وإلى صدر يلقي فيه بنفسه حين تجتاحه الهموم.

صديقك، يا عزيزي، هو أنت الآخر، أو كما قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: “هو أنت إلا أنه سوى نفسك”. صديقك هو مرآتك الصادقة التي تستطيع أن ترى بها نفسك على حقيقتها بلا زيف ولا تزويق، وكما قال القائل: “صديق المرء هو شريكه في عقله”، لذلك فصديقك هو ضميرك الحي وصوت عقلك الراجح الذي يتجرد من أهواء العاطفة وتقلبات الشعور، ولكنه في ذات الوقت لا يحرمك لمسته الحانية في أقسى حالات ضعفك وانكسارك وفي أشد خضم لانفعالاتك وفي أعمق دوامات أخطائك. هو ذلك الكتف المرسى الذي تقصده سفينتك في كل وقت من نهار أو ليل بلا تردد ولا حرج ولا خوف من ملامة أو من حكم مسبق. هو ذلك الصدر الملجأ الذي تطرح عليه عنك مؤونة التحفظ والكبرياء وتطلق سراح دمعتك. صديقك هو ذاك الذي يفهمك ويعذرك في كل الظروف، وحتى ان اختلف معك فهو لا يتخلى عنك. صديقك، كما قال جبران: “هو كفاية حاجاتك. هو حقك الذي تزرعه بالمحبة و تحصده بالشكر. هو مائدتك و موقدك”.

وهذا الكائن الرائع العجيب، يا سادتي، ومهما قد تكون بدت في نظركم صفاته مغرقة في الخيال أو ربما الاستحالة، موجود في الحقيقة، بل وربما أسهل مما يمكن أن نتصور، لأنه وبكل بساطة ضرورة من ضرورات الحياة التي لا تستقيم من دونها.

والغني حقا هو الغني بأصدقائه، فهل أنت من الأغنياء؟

السحابة والكثيب الرملي – مقالة بديعة لباولو كويللهو

السحابة والكثيب الرملي – مقالة بديعة لباولو كويللهو

كتب برونو فيرورو يقول: «يدرك الجميع أن السحب حياتها حافلة بالنشاط، لكنها قصيرة الأمد». بهذه الكلمات دعونا ننطلق في حكاية أخرى. ذات يوم، ولدت سحابة فتية، في أوج عاصفة كبرى كانت تهب على البحر المتوسط. وعلى الرغم من أنه لم يكن لديها وقت كاف لكي تنمو وتترعرع هناك، نظرا لأن الرياح العاتية دفعت بالسحب نحو إفريقيا،لكنها ما إن وصلت إلى القارة السمراء حتى بدأ الطقس يتغير.
فقد سطعت الشمس الدافئة في كبد السماء، وامتد نورها الوضاء لكي يغطي الكثبان الذهبية في الصحراء الكبرى.
ولكن كما يحدث مع الشبان في مقتبل العمر، قررت هذه السحابة الفتية الإنفصال عن ذويها وأصدقائها القدامى، لكي تشاهد العالم.
تذمرت الريح قائلة: ماذا تفعلين هنا؟ الصحراء هي نفسها، لم تتغير.
عودي إلى السحب، وانطلقي إلى قلب إفريقيا، حيث الجبال والأشجار الجميلة.
غير أن السحابة الفتية، التي كانت ثائرة بطبعها، لم تطع الأوامر، وبعد أن قطعت مسافة طويلة، لاحظت ابتسامة تعلو شفتي أحد الكثبان الرملية.
كما لاحظت أنه فتي أيضا، تكون، أخيرا، بفعل الرياح التي هبت فوقه لتوها.
ومنذ الوهلة الأولى شاهد الإثنان أحدهما الآخر، وأغرمت السحابة الفتية بشعر الكثيب الرملي الذهبي.
خاطبته قائلة: «صباح الخير، كيف تسير أمور الحياة معك ؟».
أجاب قائلا: تربطني صداقة مع الكثبان الرملية الأخرى، الشمس، الرياح، والقوافل، التي تمر عبر هذا المكان من آن لآخر.
الشمس تكون في بعض الأحيان حارة، لكنها محتملة.
كيف تسير أمور الحياة هناك في الأعالي؟ ردت السحابة: هناك أيضا الرياح والشمس، لكن الميزة التي أتمتع بها هي أنني أستطيع التجول في السماء، وأدرك كل ما يجري من حولي.
قال الكثيب: الحياة قصيرة بالنسبة لي، فسأختفي حالما تعود الرياح من الغابة، لتهب من جديد.
سألته السحابة: هل يثير ذلك الأسى في نفسك؟ أجاب الكثيب: ذلك يعطيني انطباعا بأنني لا أصلح لشيء.
ردت السحابة قائلة: يساورني الشعور نفسه، فحالما أرى رياحا أخرى قادمة سأتجه جنوبا، وأتحول إلى أمطار، وأتبدد. لكني أدرك أن هذا قدري.
تردد الكثيب الرملي، لوهلة قصيرة، قبل أن يقول: هل تعلمين أننا نطلق على الأمطار هنا اسم «الفردوس» ؟ لقد سمعت أساطير عدة، روتها الكثبان الرملية، تقول إنه بعد الأمطار تكسونا الأعشاب والأزهار، لكني لن أعرف طبيعة ذلك، لأن الصحراء نادرا ما تمطر.
عرضت عليه السحابة عرضا مغريا، فقالت له: إذا رغبت فيمكنني أن أغمرك بالأمطار، برغم أني حللت للتو في هذا المكان.
أنا مغرمة بك ويمكنني البقاء هنا إلى الأبد.
رد الكثيب الرملي: عندما شاهدتك في كبد السماء، لأول مرة، أغرمت بك أيضا، ولكن إذا حولت شعرك الجميل الأبيض إلى مطر، فستموتين.
قالت السحابة، وهي تقترب من الكثيب: الحب لا يموت، وأريد أن أريك الفردوس.
بدأت السحابة تغطي الكثيب بقطرات الماء.
وبقي الاثنان معا لأمد طويل، إلى أن جاء هادم اللذات ومفرق الجماعات، فقد ظهر قوس قزح.
في اليوم التالي، اكتسى الكثيب الرملي بالأزهار، وعبرت السحب المكان متجهة نحو وسط إفريقيا، وشكلت جزءا من الغابات التي سعت إليها، وغمرتها بمزيد من الأمطار.
بعد عشرين عاما، تحول الكثيب الرملي إلى واحة خصبة، ساهمت بإنعاش المسافرين الذين احتموا بظلالها.
حدث كل ذلك لأن سحابة عاشقة لم تخش أن تهب حياتها ذات يوم بسبب الحب والهيام.”