حياتك دوائر!

حياتك دوائر!

سيبقى هذا العصر، الذي يستحق بجدارة أن نطلق عليه “عصر التوتر والقلق”، مليئاً بالتحديات في كل مكان، في العمل والبيت وحتى في الشارع بينهما! لذلك فلا مهرب للإنسان إلا بتقوية نفسه من الداخل وتعزيز مناعتها. هذا الموضوع كنت كتبت فيه من قبل، لكنه من الموضوعات المفيدة الصالحة للتناول مجدداً مرات ومرات. عصرنا الحالي هذا العصر المتسارع، وأعني المتسارع في كل شيء.
في الأحداث السياسية… بلدان تحتل وتستقل، ورؤساء يرتفعون ويسقطون؛ وفي الاقتصاد؛ وعلى صعيد الربح والخسارة… شركات ترتفع ثم تهوي بسرعة البرق؛ وتسارع في العلاقات الاجتماعية، أناس ترتبط وتنفصل في أيام معدودة؛ وهو كذلك عصر التقدم التقني؛ التقدم في تقنيات الخير وتقنيات الشر، فهناك تقنية الكمبيوتر والإنترنت والدواء، لعمران الدنيا وإسعاد أهلها، وأيضا تقنية الأسلحة والسموم، لتخريبها وإهلاك أهلها، وهو عصر الإعلام الصاروخي الخارق، حيث لا حدود رغم آلاف الحدود، ولا حواجز رغم آلاف الحواجز لكن أسماء العصر جميعها، وإن اختلفت وتنوعت، تقود في النهاية إلى الاسم الجامع الذي نصل إليه من كل ما سبق، عصر اليوم هو دون شك “عصر التوتر والقلق النفسي” للناس جميعهم! وإن ظن البعض أنهم في معزل عن هذا فهم مخطئون.
القلق النفسي بحسب التعريف الطبي، هو رد فعل الجسم البشري مع أي تغيرات تحصل في البيئة من حوله “أو داخله”، وقلت تغيرات ولم أقل أحداثاً سلبية، لأن من المهم أن ندرك أن التغيرات التي تسبب القلق النفسي ليست مقصورة على السلبية منها كمصاعب العمل أو فقدان قريب، أو ما شابه، بل حتى التغيرات الإيجابية تسببه، فالترقية الوظيفية تسببه، والمسكن الجديد يسببه، والاستعداد للسفر، وحتى الزواج يسببه، هذه التغيرات كلها تشكل ضغطاً كبيراً على نفس الإنسان حتى إن لم يدرك ذلك، وهي جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان الذي يعيش في هذا العصر.
هذا الإدراك، هو المفتاح السحري للتعامل الناجح مع القلق النفسي، من المهم أن ندرك أنه لا يمكن أن يتخلص الإنسان من القلق ما دام يعيش في هذا العصر، لأنه مهما فعلنا سنبقى مطاردين بأخبار الحروب والدمار عبر الصحف والتلفاز والإذاعة والإنترنت، كما أن العصر سيبقى مليئاً بالتحديات في كل مكان، في العمل والبيت وحتى في الشارع بينهما! لذلك فلا مهرب للإنسان إلا بتقوية نفسه من الداخل وتعزيز مناعتها.
يمكن ذلك من خلال استراتيجيتين متلازمتين: الأولى، تتمثل بأن يسعى إلى أن يفصل ما بين مصادر القلق، فلا يحمل معه ضغوط العمل إلى البيت، أو العكس، ولا يسمح لأي من المصدرين بالاستيلاء على حقه في الحصول على قسط كاف من النوم، حياة الإنسان تنقسم إلى ثلاث دوائر، دائرة في العمل ودائرة خارجه (في البيت وأنشطته الأخرى) ودائرة في النوم، والتوازن مهم وحيوي بين هذه الدوائر الثلاث، وحينما يختل فسيصبح الإنسان مكشوفاً أمام سياط الضغط النفسي، هذه الاستراتيجية ليست سهلة لكنها أيضاً ليست مستحيلة، ويمكنها أن تتحقق بالتمرين والممارسة.
الاستراتيجية الثانية، هي أن يجعل الإنسان فيما بين تلك الدوائر الثلاث من حياته فترات يقضيها في أنشطة تدخل الراحة على نفسه. رياضة معينة، أو هواية ما (مهما بدت سخيفة للآخرين)، ويمكن كذلك أن يقضي تلك الفترات في مجرد الاسترخاء التام والتأمل، وأعرف أن هذا قد يبدو غريباً بعض الشيء، لكنه مفيد جداً، فالبحوث والتجارب أثبتت أنه يعيد إلى النفس الكثير من توازنها.
تمنياتي للجميع بصحة نفسية جيدة، وحياة مليئة بالسعادة والفرح والحب.

كم من قطة مربوطة في حياتنا؟

كم من قطة مربوطة في حياتنا؟

تروي الكاتبة الأميركية إليزابيث جيلبرت، في روايتها الشهيرة “صلاة.. طعام.. حب”، وهي الرواية التي صدرت في العام 2006، ومن ثم ترجمت إلى أغلب لغات العالم، وكذلك تم تحويلها إلى فيلم هوليوودي حاز شهرة كبيرة أيضا، أن جماعة من الهنود يتداولون في موروثهم القديم، قصة معبرة عن معلم عظيم كان محاطاً دوماً في معتزله بالأتباع المخلصين.

وكان هؤلاء الأتباع يقضون معه ساعات طويلة في التأمل والصلاة كل يوم. ولكن كانت ثمة مشكلة وحيدة تصادفهم، فقد كان لدى ذلك المعلم قطة صغيرة مزعجة، لا تفتأ تتجول في المكان الذي يعتكفون فيه، وهي تموء مفسدة على الجميع خلواتهم النفسية وانشغالهم بالتأمل والصلاة. فأمر ذلك المعلم العظيم، مستنداً إلى حكمته العملية البالغة، أن تقيد تلك القطة الصغيرة إلى عمود في الخارج لبضع ساعات في اليوم، وذلك أثناء جلسات التأمل والصلاة فقط، كي لا تزعج أحداً من المعتكفين.

مع مضي الوقت، تحول الأمر إلى عادة، فصار كلما حان وقت جلسات التأمل والصلاة، لا بد أن يتم تقييد القطة إلى العمود في الخارج. ومع مرور السنوات، تحجرت هذه العادة، وتحولت إلى ما يشبه الطقس الديني، ولم يعد بإمكان أحد منهم أن يعتكف ليتأمل ويصلي، من دون أن يربط القطة إلى العمود أولاً.

في يوم من الأيام، ماتت القطة، فأصيب الأتباع بالذعر، وعانوا أزمة خطيرة. كيف لهم الاعتكاف الآن؟ وكيف لهم أن يمارسوا تأملهم وصلاتهم من دون قطة يربطونها إلى العمود؟ كيف سيصلون الآن؟ لقد أصبحت القطة في عقولهم هي الوسيلة التي لا يمكن الوصول من دونها، بعدما نسوا، أو تناسوا، أن معلمهم كان يربطها لمجرد التخلص من إزعاجها أثناء جلسات التأمل والصلاة، لا أكثر!

ذكرتني هذه القصة الأسطورية عميقة الدلالات، بالتجربة العلمية الشهيرة حول أولئك القرود الخمسة، والتي يظهر فيها كيف صارت هذه القرود تشارك جميعا في ضرب كل قرد جديد يقوم الباحثون بإدخاله إلى القفص، من دون أن يعرفوا لماذا يضربونه أصلاً. وكذلك ذكرتني بقصة تلك الزوجة الجديدة، التي كانت تحرص على قص ذيل السمكة قبل أن تقوم بقليها وتقديمها لزوجها، لمجرد أنها شاهدت جدتها تفعل ذلك، وحين سُئِلت الجدة عن سبب قص ذيل السمكة، جاءت الإجابة بأنها كانت تقص ذيلها لأن مقلاتها في ذلك الوقت كانت صغيرة ولا تتسع لكل السمكة!

لهذه القصص الرمزية، الكثير مما يقابلها في حياة الناس اليوم، سواء على الصعيد الديني، أو على مستوى الحياة والعمل بشكل عام. فكم من الطقوس الدينية التي يأتي بها كثير من الناس من حولنا، ويحرصون على التمسك بها وتأديتها دائما، بل يرون أن عباداتهم لا تستقيم من دونها، وهي في واقع الأمر ليست من الدين في شيء، بل حسبها أنها عادات جاء بها أحد ما في زمن من الأزمان، فسارت وترسخت بينهم جيلاً بعد جيل حتى اختلطت بالدين، وصاروا يحسبونها منه، وهو منها بريء!

وكذلك، كم من الممارسات الإدارية البيروقراطية في بيئات العمل المختلفة، والتي يدرج الموظفون على القيام بها، دون السؤال عن أصلها وهدفها، لمجرد أنهم وجدوا الجميع يمارسونها كذلك منذ لحظة توظيفهم الأولى، حتى تصبح جزءا صميما من إجراءات العمل، لا يستقيم العمل في ظنهم من دونها.

وكذلك على مستوى الإنسان شخصياً، كم من الأمور التي يعتاد المرء القيام بها، حتى تصير جزءاً متأصلا من تفاصيل حياته، دون أن يتوقف ولو للحظة واحدة ليفكر فيها، ويتفكر في فائدتها وقيمتها، ناهيك عن هل ستكون حاله أفضل لو هو تخلص منها ربما!

القطط التي يربطها الناس إلى الأعمدة في حياتهم اليوم، كثيرة.. مربوطة في كل جانب من جوانب هذه الحياة. والواقع أن أغلب الناس يمضي في معيشته دون حتى أن يكلف خاطره بالتساؤل؛ لماذا هي مربوطة يا ترى؟! يجترونها ويكررونها، بل ويدافعون عن وجودها.

فهل تراك من هؤلاء الناس؟ أم أنك من أولئك النادرين جدا، الذين تمردوا على ذلك، وصاروا يتوقفون بين فترة وأخرى في مسيرة حياتهم، باحثين عن هذه القطط المربوطة إلى الأعمدة حتى يطلقوا سراحها؟!

وصفة لشفاء النفوس المتعبة

وصفة لشفاء النفوس المتعبة

هذا الموضوع من الموضوعات التي مهما كتب عنها، تظل بحاجة للمزيد. لذلك سأتناول من جديد مشكلة الضغط النفسي، وهو الذي صار جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وذلك لأسباب كثيرة ومتنوعة يمكن لها أن تنبع من كل نواحي حياة الإنسان، سواء من بيته أو عمله، أو حتى من العالم من حوله، هذا العالم الصعب المتسارع بتقلباته السياسية، ومستقبله غير الواضح المحفوف بتنبؤات مخيفة عن الانهيارات الاقتصادية والحروب، وغير ذلك.

كل هذه الأمور، وغيرها، تعد من المصادر التي يمكن أن تسبب الضغط النفسي للإنسان ولاشك، بل لعلي سأفاجئ بعضكم حين أقول انه حتى المناسبات السعيدة، يمكن لها أن تشكل ضغطا كبيرا على الإنسان.

ألا يقولون في المثل الدارج «لا هم كهم العرس»؟ نعم، هذا صحيح تماما، فحتى الاستعداد لمثل هذه المناسبات السعيدة، وكذلك الانتقال إلى منصب أعلى أو الرحيل إلى بيت جديد مثلا، وغيرها، بالرغم من كونها مناسبات إيجابية، تتسبب في ضغط نفسي كبير على الإنسان، يضاف إلى الرصيد الموجود لديه أصلا، ليأخذ جميعها بالتراكم في داخله.

مصادر الضغوط الواقعة على الإنسان كثيرة، إذن، ومن المستحيل، بطبيعة الحال، أن يستطيع الإنسان التخلص منها نهائيا، إلا أن هذا لا يعني على الإطلاق أن يترك نفسه فريسة سهلة لها، لتنهش صحته النفسية وتتجاوزها إلى صحته الجسدية، ليعاني بعد ذلك من الآلام والأوجاع، كالصداع والشقيقة (الصداع النصفي)، واضطرابات الجهاز الهضمي وآلام الظهر والعضلات، واختلال الوزن صعودا أو نزولا، واضطرابات النوم، بل وأمراض أكثر خطورة منها كاعتلالات القلب والسكري وغيرها، والتي هي كلها أمراض ثبت ارتباطها بالضغوط النفسية، فيصبح بعدها مهددا بالانهيار في أي لحظة.

يجب على الإنسان أن يتصدى لهذه الضغوطات، وذلك بأن يدرك تماما في البداية أنه واقع في هذه الطاحونة النفسية، فالإدراك بوجود المشكلة دائما يكون أول العلاج، ويقرر بعدها أنه لن يستسلم، فيعمل جاهدا بعد ذلك على المواجهة بكل الوسائل المتاحة. ومن النصائح التي يمكن تقديمها للتعامل مع الضغوطات النفسية، النصائح التالية:

أولا؛ حافظ على صحتك الجسدية بقدر ما تستطيع، ومارس الرياضة، ولو كانت مجرد المشي لمدة نصف ساعة بشكل سريع في كل يومين، وراقب نظامك الغذائي. ولا أقول احرم نفسك من شيء من الأكل، ولكن قلل الكميات ورتب مواعيد الوجبات، وابتعد عن التدخين والمنبهات قدر الإمكان، ثم نم بشكل كافٍ وجيد ومنتظم.

ثانيا؛ احرص على وجود الدعم الاجتماعي من حولك، سواء من خلال أفراد الأسرة أو الأقرباء أو الأصدقاء، فوجود هؤلاء مهم جدا في الفترات الهادئة، وتعزيز القرب منهم والتواصل معهم سيكون رصيدا مدخرا للأوقات الصعبة.

ثالثا؛ لا تكن ممن يصارعون همومهم لوحدهم، فيكتمون الضيق في داخل نفوسهم، وهذا لا يعني أيضا أن تكون ممن تجري دموعهم طوال الوقت طبعا، وإن كانت الدراسات والمشاهدات، تثبت أن من يخرجون همومهم بشكل مستمر على شكل دموع، هم الأقل تعرضا للتعب بسبب الضغط النفسي. لكن المراد هنا، هو أن تخرج همومك بشكل مناسب للمقربين منك في دائرة الدعم الاجتماعي، وقليل من الدموع بين فينة وأخرى لا يضر، بل مفيد جدا.

رابعا؛ تذكر اللحظات الإيجابية دوما، وحين تعترضك مشكلة جديدة، تذكر كيف كانت المشكلة السابقة تبدو أمامك وكأنها لن تزول، وإذا بها تزول بفضل الله، وجدد إيمانك بالخالق وثق بأنه سيعطيك القوة والقدرة على التغلب وتجاوز الصعوبات الجديدة، كما جعلك تتجاوز السابقة، وتخيل نفسك فعلا قد تجاوزتها بعونه سبحانه.

خامسا؛ أحسن التعامل مع وقتك والموارد المتاحة لك، ونظم أولوياتك عند مواجهة الصعوبات وفي سائر الأوقات، وتعامل مع الأهم فالمهم من بعد ذلك، ولا تنشغل بغير المهم، خصوصا في الأوقات الصعبة، وتعلم أن تقول كلمة «لا للالتزامات التي لا تستطيع أن تفي بها، ولا تثقل على نفسك بحمل أعباء جديدة، سواء كانت مالية أو اجتماعية أو غير ذلك، ولا تتردد في طلب المساعدة ممن تثق بأنهم سيساعدونك، ولكن احذر من أن تلقي نفسك على أي أحد فيصدك أو يخذلك، فيصبح الخذلان مصدرا جديدا من مصادر الضغط النفسي والتعب.

هذه النصائح الخمس ليست سوى القليل من نصائح كثيرة يمكن تقديمها بشكل تفصيلي في هذا الصدد، لكنها الأهم في تصوري والأكثر فائدة، من واقع تجربتي وممارستي مع الآخرين كطبيب. ان يتأمل كل واحد منا في كل واحدة منها، وليبحث عن الطريقة التي يمكن له أن يجعلها جزءا من حياته. فقد تكون جميع هذه النصائح صالحة لأحدنا، وقد لا يصلح بعضها لأحد آخر، ولكن لنسدد جميعنا ونقارب، ونرجو من الله العون والفائدة.

الصفحة 3 من 6«12345»...الأخيرة »