<span class="entry-title-primary">شاحنات القمامة من حولنا</span> <span class="entry-subtitle">“قانون شاحنة القمامة”، كتاب فريد ومختلف في طرحه لفكرة قد تبدو مألوفة نوعا ما عند قراء كتب التنمية البشرية والتطوير، لكنه يستحق القراءة في ظني لقالبه المتميز ولزوايا نظره غير المألوفة</span>

شاحنات القمامة من حولنا “قانون شاحنة القمامة”، كتاب فريد ومختلف في طرحه لفكرة قد تبدو مألوفة نوعا ما عند قراء كتب التنمية البشرية والتطوير، لكنه يستحق القراءة في ظني لقالبه المتميز ولزوايا نظره غير المألوفة

كثير من الناس من حولنا مثل شاحنات القمامة، يعيشون ويتحركون ويتعاملون مع الناس من حولهم وهم مليؤون بالإحباط وخيبة الأمل والغضب وشتى أشكال السلبيات، وكلما امتلؤوا بهذه القمامة المتكدسة في داخلهم، كانوا بحاجة إلى رميها والتخلص منها، وإن أتيحت لهم الفرصة، فهم لا يترددون في رمي هذه القمامة على من حولهم.

محال… ليس جدا

محال… ليس جدا

فرغت من قراءة الرواية الأخيرة للكاتب المصري الشهير يوسف زيدان، صاحب رواية عزازيل التي حازت تلك الشهرة الاستثنائية، وحصدت جوائز عديدة منها الجائزة العربية للرواية العربية في العام 2009م، ورواية ظل الأفعى ورواية النبطي.

وعنوان الرواية، كما قال الكاتب نفسه، من الممكن أن يشمل 3 معاني؛ الأول أن ” محال” ممكن تعني أنه من المستحيل عليك أن تمسك باللحظة، لأنها منفلتة دوما، أو أن الحالة الذهنية من المستحيل أن تمتد، فالبطل نفدت منه اللحظات، وثانيا قد تعني كلمة “محال ” أيضا مكان، ومن المستحيل إدراك الوجود الإنساني بمعزل عن المكان والزمان، ثالثا قد تعني “محال” القسوة الشديدة مثلما موجود في القرآن، “إن ربك شديد المحال”، لذا نجد هنا أن من الممكن أن يتم تفسيرها بأكثر من معنى.

كتب على ظهر الرواية أن بطل هذه الرواية شاب مصري سوداني يتسم بالبراءة والتدين، ويعمل كمرشد سياحي في الأقصر وأسوان. وقد كانت أقصى أحلامه هو الزواج من فتاة نوبية جميلة ليبدأ حياة سعيدة هانئة، ولكن نظام حياته المسالم والبسيط ينقلب رأساً على عقب بعد مقابلة مع أسامة بن لادن في السودان في أوائل التسعينيات، لتأخذ الرواية بعد ذلك إيقاعا متسارعا.

لكن وعلى الرغم من الإشادات التي وجدتها عن الرواية في مواقع عدة على شبكة الانترنت، إلا أني شخصيا لم أجد فيها ذلك الشيء الآسر الذي يتحدثون عنه. ولعل ذلك لأني ممن قرؤوا رواية “عزازيل” لذات المؤلف، فوجدت فيها إبداعا واحتشادا مدهشين، وكنت أتوقع من صاحبها أن لا يأتيني بشيء بعدها دون ذلك المستوى.

الرواية متواضعة جدا على سبيل الحكاية. لا شيء مذهل، ولا فكرة جديدة، بل هي فكرة أصبحت اليوم مكررة جدا، بعدما تناولها الكثير من الكتاب بأشكال مختلفة، منها ما هو أكثر إبداعا من “محال”. الشيء الوحيد الذي يجب أن أشيد به، وإلى حد ما أيضا وليس كثيرا، هو اللغة، فيسوف زيدان وكعادته، استخدم لغة شعرية ممتازة، استند فيها في كثير من الأحيان على عبارات وتركيبات لغوية قرآنية، مما قد يعطي للنص وقعا مختلفا على نفس القارئ.

سأعطي الرواية ستة من عشرة “مع الرأفة”، لا أكثر، ولن أنصح بها أحدا بطبيعة الحال.

وعلى أية حال، فالرواية موجودة على موقع 4Shared لمن يريد تحميلها مباشرة، لكنني لا أحبذ ذلك، أولا من باب احترام الحقوق الفكرية طبعا للكاتب والناشر، وثانيا، وهذا بالنسبة لي،  لأن ليس أجمل من تصفح النسخة الورقية لأي كتاب. لكن لعل هناك من سيقول بأنها فرصة للاطلاع على الرواية قبل شرائها، وسأقول، لعله كذلك، خصوصا مع مستوى هذه الرواية المتواضع جدا في نظري.

 

 

 

أرز باللبن لشخصين!

أرز باللبن لشخصين!

أرز باللبن لشخصين، كتاب، أو سأقول كتيب، زهري اللون مكون من قرابة 125 صفحة. هو في حقيقته تجميع لتدوينات كتبتها رحاب بسام في مدونتها “حواديت” ابتداء من العام 2004.
الكتاب جميل جدا وسهل الهضم وسريع القراءة، وإن احتوى على العديد من الأفكار العميقة التي صيغت ببساطة ومهارة واضحة.

حسنا، هل أنا أقوم بالتسويق للكتاب من خلال هذه المقالة؟

في الحقيقة… نعم! فلو افترضنا أن 500 ألف شخص من المليون قارئ ممن سيطلعون على هذا المقال، سيكملونه للآخر فعلا ولن يقولوا بأن “ما عندي ما عند جداتهم”! ولو افترضنا أن نصف هؤلاء سيجدون المقال جيدا ولن يرموا الجريدة غاضبين، أو ينتقلوا إلى موقع آخر ساخطين، وأن نصف هؤلاء سيهتمون بكتاب أرز باللبن فعلا، وأن نصف هؤلاء سيبحثون عنه، وأن نصفهم سيعثرون عليه حقا، وأن نصفهم سيقررون شراءه بعد الاطلاع عليه، وأن نصفهم سيذهبون ليشترونه فعلا، فنحن نتكلم عن قرابة ال8000 آلاف شخص، وبالتالي وباعتبار أن عمولتي ستكون جنيه واحد على الأقل عن كل مشتر منهم أي 8000 جنيه مصري، فسيكون مربحي مبلغ محترم ويستحق العناء!

طبعا أنا أمزح، فلا أتوقع أن يقرأ هذه المقالة سوى 200 الف قارئ مما سيغير من كل الحسبة أعلاه.

دعونا نتكلم بشكل جاد الآن، الكتاب جميل فعلا ويستحق الاطلاع، وهو في رأيي من كتب القراءات الخفيفة الصالحة لما قبل النوم أو فترات الاستراحة، ومن الكتب الممكن حملها في كل مكان، لولا لونه البناتي الفاقع قليلا ربما، إلا أن هذه المشكلة يمكن علاجها أيضا بتغليف الكتاب بورق جريدة رصينة محترمة مثلا.

تقول رحاب في كتابها الزهري: “لأنها تخاف المرتفعات، لم تثق أبداً في قمة السعادة…ولا قمة التعاسة. تجلس دائماً على المرجيحة المعلقة بين القمتين. فكل سعادة تحمل نُذُر تعاستها، وكل تعاسة تحمل بشائر سعادتها. في السعادة، تتذكر الغائبين، وتتساءل عن دوام تلك السعادة. في التعاسة، يخرج لها القط مبتسماً فجأة من وراء الستائر، أو تأتي قهوتها مضبوطة. من على المرجيحة وصلت إلى الحكمة: كل شيء نسبي، والحياة مراحل.

لأنها تخاف المرتفعات، لم تسع أبداً لقمة السعادة أو قمة التعاسة. ولكنها، ولقِصر قامتها، لم تستطع أيضاً أن تلمس أرض الواقع أو قاع الوهم. لذلك تقضي وقتها على المرجيحة، تدغدغ الهواء بقدمها وتدندن بجدية. وإذا رأت الشمس ساطعة، أخذت معطفها؛ وإذا هبت عاصفة مطيرة، أخذت المايوه.

لأنها تخاف المرتفعات، لم تثق أبداً في قمة السعادة… ولا قمة التعاسة. تجلس دائماً على المرجيحة المعلقة بين القمتين. فكل سعادة تحمل نُذُر تعاستها، وكل تعاسة تحمل بشائر سعادتها. في السعادة، تتذكر الغائبين، وتتساءل عن دوام تلك السعادة. في التعاسة، يخرج لها القط مبتسماً فجأة من وراء الستائر، أو تأتي قهوتها مضبوطة. من على المرجيحة وصلت إلى الحكمة: كل شيء نسبي، والحياة مراحل.

لأنها تخاف المرتفعات، لم تسع أبداً لقمة السعادة أو قمة التعاسة. ولكنها، ولقِصر قامتها، لم تستطع أيضاً أن تلمس أرض الواقع أو قاع الوهم. لذلك تقضي وقتها على المرجيحة، تدغدغ الهواء بقدمها وتدندن بجدية. وإذا رأت الشمس ساطعة، أخذت معطفها؛ وإذا هبت عاصفة مطيرة، أخذت المايوه.”

كلام بديع جدا، أليس كذلك؟!

ماذا ستفعل لو صادفت أسدا؟

ماذا ستفعل لو صادفت أسدا؟

من أراد أن يقرأ رواية من العيار الثقيل.. عميقة المشاهد.. كثيفة المعاني.. رواية تحفز عقل القاريء على البحث عن الدلالات، فعليه برواية حياة باي.. رواية مهمة جدا.. وهي من إصدارات دار الجمل.

نبذة موقع النيل والفرات عن الرواية:
تقوم “حياة باي” على تواطؤ خفي، عنوانه، وهذا جوهر الرواية في الوقت عينه: “اختيار القصة الأفضل”. هناك مثلما سيتضح للقارئ، الذي عليه أن يتحلى ببعض الصبر، سيناريوان لـ”ما جرى حقاً”، أو لما يزعم الكاتب يان مارتل بأنه جرى حقاً، في هذه القصة “الحقيقية”، وما على القارئ سوى أن يختار بين حقيقتين، أو بالأحرى بين زعمين، كل منهما يتساوى في درجة حدوثه أو لا حدوثه، أحدهما عقلاني، ومنطقي، والثاني سحري وعجائبي. الزعم الأول هو مما يمكن إيراده في التقارير الرسمية، والزعم الثاني ينتمي إلى عالم المرويات السحرية والخارقة. يبقى الاختيار رهناً بالقارئ نفسه. فإذا كانت الكتابة تشكل خمسين بالمائة من حياة الكتاب، بحسب مارتل، فإن القراءة تشكل الخمسين بالمائة الأخرى، وهذا ليس بالقول النظري، تحديداً في “حياة باي” حيث سيجد القارئ نفسه، في أكثر من محطة، مدفوعاً إلى الاختيار، وإلى التفكير، وإلى الاستنتاج، وباختصار إلى التفاعل.
وهذا التفاعل يبدأ قبل الوصول إلى مرحلة “اختيار القصة الأفضل”، بل عند كل مفصل من مفاصل الرواية، حيث يجد القارئ نفسه مدفوعاً باستمرار إلى التساؤل حول “صدقية” الأحداث التي يسردها الكاتب أو “واقعيتها”، وما إذا كان تمهيد هذا الأخير الذي يقول فيه إن ما سنقرأه هو سيرة شخص حقيقي، أم محض اختلاق جادت به مخيلة الكاتب. “أليس إخبار شيء ما يصبح دائماً قصة؟”، تتساءل الشخصية الرئيسية في الرواي، أي “باي” الذي يوضح أكثر بتساؤل آخر: “أليس استعمال الكمات لإخبار شيء ما، سواء أكانت هذه الكلمات إنكليزية أم يابانية، أمر فيه اختراع أساساً؟ أليس النظر في هذا العالم أمر فيه اختراع؟”. تساؤل يقدّم لنا أحد المفاتيح الأساسية لفهم الرواية، بل ويعيدنا إلى جوهر فن الرواية نفسه، الذي في أي حال من الأحوال لا يقاس بقدر ما يرسم الواقع بصورة تسجيلية، بل بقدر ما يتمكن من القبض على لبّ هذا الواقع أو “جرفه عن مساره وتحويله إلى شيء آخر” مثلما يقول مارتل. علينا إذاً أن نصدق الواقع الحكائي نفسه، قبل أن نبحث عن “الواقع” الذي تنجح الرواية أو لا تنجح في أن تعكسه. الحكاية كاستعارة لا تصحّ كثيراً هنا، بل الرواية كواقع قائم في حدّ ذاته.
بالتالي، لا يعود مهماً أن نصدّق ما إذا كان اسم الشخصية الرئيسية هو “بيسين”، وما إذا كان اعتنق بالفعل ثلاثة أديان دفعة واحدة أم لا، وما إذا كان ظل تائهاً في المحيط الهادئ أشهراً عدة، على قارب نجاة، بصحبة عدد من الحيوانات المفترسة، من بينها أسد، أم لا. تفاصيل قد يراها بعضهم مستحيلة لكن “أليس صعباً تصديق الحب؟”، مثلما يقول باي.

نظرتنا إلى الحياة (وتجربتنا) بالتالي هي التي تحدّد خياراتنا، وما الذي نصدقه أو نرفض تصديقه.

محمد دريه ومحاضرة ساحرة مدهشة، عن القراءة والكتاب الجيد والرواية والمعرفة

محمد دريه.. صديقي القرصان الأسمر، لا ينفك يذهلني.

في محاضرته هذه، يهزني هزا، ويأزني أزا، ويحرضني على الأفكار، ويحرضها ضدي.. لكن شهادتي به مجروحة، فأنا أحب هذا الرجل، ووصف الحبيب لحبيبه لا يعتد به كثيرا.

لكنني، سأترككم والمحاضرة، فانظروا بنفسكم وأخبروني ما تقولون.

شوربة… طعام، وصلاة، وحب!


تخيلوا شوربة!
شوربة غنية كثيفة مليئة بالمكونات اللذيذة… تخيلوا شوربة ثمار البحر مثلا، وهي تلك الشوربة الثقيلة التي تمتلئ بقطع السمك والروبيان وأشياء بحرية أخرى… تخيلوا هذه الشوربة في قدر كبير، ثم بدأ شخص ما بغرف كل محتوياتها وإزالتها بمغرفة كبيرة، فلم يُبقِ فيها إلا الفتات، ثم صار يضيف إلى القدر ماءً… كثيرا من الماء، وقال لك بعدها تفضل!

مقدمة “الشيف رمزي” هذه، هي بالضبط ما حصل مع رواية “طعام، صلاة، حب” عندما جرى تحويلها إلى فيلم. ولي مع هذه القصة قصة!

كنت بدأت منذ فترة في قراءة الرواية قبل أن تسنح لي الفرصة لمشاهدة الفيلم، وهذا من حسن ظني، فلو كنت شاهدت الفيلم أولا لكنت فقدت الشهية والرغبة بقراءة الرواية ولا شك. وطوال فترة قراءتي واستمتاعي بما أقرأ، كنت أتابع التعليقات ممن حولي حول الفيلم، وأستغرب من أن أغلب من شاهدوه وجدوه باردا ثقيلا وغير عميق، خصوصا وأني كنت قرأت كيف أن كاتبة الرواية إليزابيث جيلبرت قد أشادت به، وبأداء جوليا روبرتس في تجسيد شخصية البطلة بشكل متقن! وعندما وصلت إلى أكثر من ثلاثة أرباع الكتاب، سنحت لي الفرصة لمشاهدته على الفيديو بعدما كان قد توقف عرضه في صالات السينما، فإذا به فعلا، وسأقولها هكذا بلا تحفظ أو تزويق، كارثة وخيبة، ذكرتني بكارثة وخيبة مشاهدتي لفيلم “شيفرة دافينشي” منذ عدة سنوات من بعد قراءة تلك الرواية المذهلة!

ذكريات وقراءة، في حياة في الإدارة. (نشر في مجلة العربي. ديسمبر 2010م)

كانت معرفتي الحقيقية الأولى بالراحل الدكتور غازي بن عبد الرحمن القصيبي من خلال كتابه ذائع الصيت، والانتشار أيضا، “حياة في الإدارة”. ولعل وقوع هذا الكتاب في يدي يحمل معه قصة ومفارقة في آن واحد، حيث حصلت عليه منذ سنوات من مكة المكرمة، وهنا المفارقة فأغلب كتب الراحل كانت ممنوعة من التداول في بلده السعودية، ولم يفسح لها إلا مؤخرا بعد وفاة مؤلفها!

وأما القصة، وهي لا تخلو من طرافة، فهي أني يومها كنت في رحلة للعمرة مع بعض الأصدقاء، وحين اشتريت الكتاب وجدتني أتعلق به من السطور الأولى، وأنصرف عن أصحابي طوال الرحلة التي كانت بالسيارة، غارقا في سطور تلك المغامرة الإدارية الشيقة، فشعر أحدهم بالأمر، فأثار الكتاب فضوله، وما هي إلا لحظات من بعد قراءته لبضعة سطور، حتى وقع أسيرا بدوره لتلك اللذة اللا متناهية التي كنت آنستها وسرقتني منهم. وطوال الرحلة، صرت وصاحبي نتسابق على من يفوز بقراءة الكتاب قبل الآخر، حتى أتينا عليه كاملا خلال الرحلة التي استغرقت عدة ساعات من مكة والمدينة إلى الكويت، بلدنا. وقد تعلقت من بعد هذه التجربة الفريدة بكل كتابات الدكتور القصيبي، فصرت أبحث عنها وأترقب صدورها وأختطفها حال وصولها عند باعة الكتب والمكتبات.

الصفحة 1 من 212»