من سنغافورة مع التحية

 

أكتب هذه المقالة من غرفتي في الفندق المطل على شارع أورتشارد الشهير، في سنغافورة العاصمة، حيث أتواجد هنا منذ أيام.

سنغافورة مدينة أحبها، ولا أظن أنها لا تحبني، فقد زرتها عدة مرات قبل هذه المرة، وفي كل مرة آتيها أتوقف مشدوها عند ذات الأمور وأكثر. النظام والانضباط هنا خارق، فالناس تسير في مسارات منظمة في كل شأن من شئون الحياة، تماما كساعات سويسرية لا تعرف الخلل. أناس قرروا جميعهم أن انضباطهم وتعاونهم واتفاقهم هو سبيل بقاءهم ونجاح دولتهم.

خمسة ملايين  من البشر من أصحاب الأعراق واللغات والأديان المختلفة، صينيون ومالاي وهنود وغيرهم، تمازجوا واندمجوا مع بعضهم البعض لبناء هذه الدولة في جزيرة سنغافورة الصغيرة، التي لا يتجاوز حجمها المئة والأربعين كيلومترا مربعا، والتي غدت خلال السنوات العشرين الماضية، واحدة من الدول الأكثر تقدما في العالم، حيث انتقلت من مصاف دول العالم الثالث إلى العالم الأول.

سنغافورة والتي يعني اسمها مدينة الأسد، حيث يحكى أن ملكها الأول حين نزل على هذه الجزيرة شاهد أسدا فكان الأمر مدهشا جدا بالنسبة له فأسماها بهذاالاسم، هذا بالرغم من أن أهل سنغافورة يدركون بأنه لا توجد أسود في جزيرتهم، لا في القديم ولا في الحديث، لكنهم تقبلوا حكاية الملك بابتسامتهم المعهودة، كنت سأقول بأن سنغافورة نموذج حضاري حديث يستحق التأمل كثيرا، ويستحق أن تتعلم منه بقية الدول وتقتدي به. ومسيرتها الحضارية التي قادها رئيس وزرائها السابق لي كوان يو، هي مسيرة مليئة بالدروس والعبر، يجب الإطلاع عليها من خلال كتاب “قصة سنغافورة” الذي نشرته دار العبيكان.

وكذلك كتاب سنغافورة من العالم الثالث إلى العالم الأول والذي صدر عن نفس الدار كذلك، يستحق القراءة أيضا.
تقول بعض المصادر التي وقفت عليها بأن سنغافورة تعد من الدول الأقل فسادا إداريا في العالم أجمع، والحقيقة أن هذا الشيء يمكن الإحساس به من خلال النظر إلى حركة نموها وحضارتها، فالدولة تسابق الزمن، والتطوير فيها لا يتوقف، وفي كل مرة أزورها أنبهر عاجزا عن حصر ما زاد فيها من عمران وتطوير.
النظام السياسي في سنغافورة يكتنفه غموض، فهو ليس ديمقراطيا تماما، والحزب الحاكم على سدة الحكم منذ أكثر من نصف القرن، إلا أن الأمور تسير بانضباط عجيب، على الرغم من أصوات المعارضة التي لم يبدو لي أنها تلقى الكثير من التجاوب من الناس هنا، فأغلب الناس منشغلة بتسيير حياتها وشئون أعمالها وبناء دولتها، في ظل بيئة رحبة تسمح بذلك، ولا يبدو لي أنها تجد حاجة ملحة للانشغال بالهم السياسي كما يبدو لي، وعلى أية حال يبقى هذا الموضوع يستحق تفصيلا وبحثا أكثر.
سنغافورة بلد يستحق اازيارة، على الرغم من رطوبته الشديدة، ومطره الذي يستمر لأيام وأيام أحيانا، ففيها من المشاهد السياحية والوجهات الكثير، وفيها أماكن ترفيه مدهشة لكل الأعمار والمزاجات، وفيها من مراكز التسوق ما تكتظ به الماركات العالمية الكثير، أي أنها وبكل اختصار بلاد تناسب كل الأذواق، لكن لينتبه الجميع، فالبلد ليست رخيصة أبدا، ومن يقررالمجيء هنا، فليستعد بميزانية معتبرة.
ملاحظة: نشرت هذه المقالة بصيغة مختلفة بعض الشيء في جريدة الجريدة.

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

  • تحية عبقة

    اه .. في كل حرف قرأته كان عقلي بتلقائية يقارن .. فإذا بون صارخ .. فتوقف العقل خجلا واحتراما لسنغافوره .. شكرا استاذي

  • الفارقة

    دكتور ساجد بعد التحية لشخصك النبيل :
    سنغافورة من أكثر البلاد تميزاً على كافة المستويات ، ويعزي البعض هذا التميز لقائد النهضة السنغافورية كما يحلو لهم تسميته لي كوان يو ، ولكن ألا توافقني الرأي بأن الأروع من البناء الحفاظ عليه ؟ وهذا ما فعله الشعب السنغافوري بمختلف فئاته ، استطاع أن يضيف إلى سجل الإنجازات وأن يجعل من هذا البلد الصغير في مساحته مقارنة بالبلاد الأخرى مركزاً تجارياً وسياحياً هاماً ، أما ثقافة هذا الشعب في الحياة والعمل فتحتاج منك مقالة أخرى . شكراَ لك فحياتك كتاب أذنت لنا أن نتصفحه .

  • غير معروف

    أتفق معك تماما، فالأصعب من البناء هو المحافظة على المكتسبات.. الشعب السنغافوري شعب عظيم في كل مناحي حياته، وبالأخص في احترامه وحبه لبلده ونظامه..
    شكرا لك جزيلا

  • غير معروف

    شكرا لمرورك