أطفالنا اليوم… والقراءة! من المهم أن ندرك بأنه لا يمكن أن يقبل الطفل على ممارسة القراءة ما لم يجد في هذا الفعل متعة توازي ما يجده في وسائل الإمتاع والتعليم الأخرى

طفل يقرأ

طفل يقرأ

إن الملهيات في العالم اليوم، وبالإضافة إلى تكاثرها بشكل كبير ساحق، قد صارت أكثر جاذبية من القراءة بشكل مخيف حقا. قارنوا الألعاب المتاحة للصغار اليوم بشتى أنواعها مع الألعاب التي كانت بين أيدينا في الأمس، وستجدون كيف أنها لا تقارن بها أبدا. ألعاب اليوم أكثر سرعة وأمتع ألوانا وأعمق تفاعلا وأبعد خيالا وأعقد تطورا وأبدع تنوعا. من يستطيع، بل من يجرؤ، على أن يقارن لعبة من ألعاب الفيديو ثلاثية الأبعاد تربط الطفل الذي يمارسها بلاعبين آخرين معه، قد يوجد بعضهم في دول أخرى في العالم، بواسطة الانترنت بالصوت والصورة، مع لعبة بلاستيكية أو معدنية أو ورقية من الألعاب التي كانت بأيدي أطفال الأمس؟ لا توجد مقارنة أصلا، فما بالكم بمقارنة هذه الألعاب المدهشة بالكتاب المطبوع؟!

لهذا السبب، وعندما نريد أن نتحدث عن أزمة القراءة عند الأطفال في عالمنا العربي، وأن نبدأ بالتفكير في كيفية جعل أطفالنا يقرؤون، فلا يصح أن تغيب عن أذهاننا حقيقة أن الكتاب التقليدي سيظل وسيلة بطيئة باردة ثقيلة مهما تطور، بالمقارنة مع هذه الوسائل والألعاب والملهيات العصرية الكاسحة.
وهناك معوقات أخرى كثيرة، حيث سنضيف إلى ما سبق حقيقة فقر مكتبة الطفل في العالم العربي وخلوها الواضح من الكتب العصرية التي تأخذ بالوسائل الحديثة للاقتراب من الطفل، من حيث تناول الموضوعات الجديدة المتجددة التي تتوافق مع العصر الحديث بما فيه من زخم معلوماتي، وذلك بالمقارنة مع المكتبة الغربية وهي التي على الرغم من تفوقها الكبير في هذا الجانب، تعاني بدورها من أزمة عزوف النشء الجديد عن الإقبال على الكتب.
وكذلك نضيف إلى الأمر أن التجارب المدرسية في العالم العربي لم تخلق، في الغالب، علاقة ودية بين الطفل والكتاب، فالكتاب المدرسي يظل كتابا ثقيلا كريها على نفس الطالب، يرتبط عنده بالاختبارات والامتحانات وأسلوب الحفظ والتلقين الخالي من الإثارة والتفاعل المحبب والمشاركة الممتعة.
وسأضيف أيضا أن أغلب المنازل العربية تخلو من القدوة القارءة، سواء من الأب أو الأم، ناهيك عن أنه لا توجد فيها، في الغالب، مكتبة جاذبة للطفل قريبة من متناول يده.
لهذا، وبناء على هذه الأسباب المتراكمة، فمن البديهي أن يكون هناك عزوفا كبيرا من أطفالنا عن القراءة، لكن عند هذه النقطة سأقول بأني أدرك تماما وجاهة القلق الشائع من هذه المسألة، ومع ذلك سأسأل سؤالا أراه جديرا بأن يطرح كمقدمة لما بعده، لماذا نريد من أطفالنا أن يقرئوا أصلا؟ والإجابة المتوقعة هي أننا نريد لهم ذلك ليتمكنوا من الحصول على المعرفة والعلم، وهنا سأتبع مباشرة بسؤال آخر، وهل هذا لا يمكن الحصول عليه إلا بواسطة القراءة؟ هذا سؤال مهم يجب أن نتوقف عنده مليا.
إجابة السؤال الصحيحة هي أن القراءة، في نهاية المطاف، ليست سوى وسيلة واحدة من وسائل عديدة يمكن من خلالها إيصال العلم والمعرفة للطفل، والأهم من ذلك، أنها ليست سوى وسيلة واحدة لصناعة الطفل المحب للتعلم والتفكر والتساؤل الذي يقود إلى الاكتشاف والاستزادة المعرفية. وقد أثبتت الدراسات الاجتماعية والسلوكية أن الأطفال الذين يتم تعليمهم مبكرا كيفية استخدام أدوات التفكير الصحيح والتساؤل والبحث ويتم تنمية الفضول عندهم، يكونون أكثر نجاحا في حياتهم من أولئك الذين لا يمتلكون هذا، وحتى ولو كانوا من المتفوقين دراسيا!
هذه الأدوات بالإضافة إلى القدرات الصحيحة للتواصل مع الآخرين والتعبير عن النفس، تشكل في مجموعها ما يسمى اليوم بالذكاء العاطفي. وعند استعراض آخر الأبحاث الإدارية نجد أن من يسمون بالأذكياء عاطفيا، أي من يمتلكون الأدوات التي ذكرتها قبل سطور، هم الأكثر نجاحا في العمل والحياة من أقرانهم الأذكياء على المستوى العقلي فحسب، ولهذا فالواجب علينا كآباء ومعلمين وتربويين، أن نسعى إلى جعل الأطفال يتفوقون على صعيد الذكاء العاطفي، ليخرج منهم الطفل الشغوف المتفكر المتسائل، لا الطفل الحافظ للمعلومات الجامدة المقولبة فحسب. والوصول إلى هذا الطفل المتميز، الذكي عاطفيا، سيتطلب بالطبع تظافر الجهود والوسائل التعليمية المختلفة، والتي منها الكتاب المقروء دون شك.
إن عملية تعليم الطفل يجب أن تشتمل على إشراكه في العديد من الأنشطة العضلية والعقلية، والجلسات الحوارية والنقاشات، والتعامل مع الوسائل التعليمية البصرية الحديثة كوسائط الصوت والصورة، من تلفاز وفيديو وانترنت وألعاب رقمية وغيرها، بالإضافة طبعا إلى القراءة.
والآن سأركز على وسيلة القراءة بعينها، متجاوزا بقية الوسائل التعليمية الأخرى، بعدما بينت أنها تأتي على نفس القدر من أهمية القراءة، وأن التعليم الحديث لا يجب أن يخلو من توظيفها والاستناد إليها، جنبا إلى جنب مع القراءة.
من المهم أن ندرك بأنه لا يمكن أن يقبل الطفل على ممارسة القراءة ما لم يجد في هذا الفعل متعة توازي ما يجده في وسائل الإمتاع والتعليم الأخرى، لهذا فلا سبيل إلى إدخال أطفالنا إلى عالم القراءة إلا عبر مزج هذا الفعل بالشعور بالاستمتاع.
وهذا الأمر من الممكن تحقيقه، على صعوبته، عبر إيجاد كتب مصورة ملونة تتناول موضوعات قادرة على جذب اهتمام الأطفال، لتمزج ما بين المتعة البصرية والإثارة والفائدة النسبية وصولا إلى شيء من المتعة. وليس مهما أن يقرأ الطفل في البدايات ما قد يظنه الآباء مفيدا جدا، بقدر ما أن يمارس فعل القراءة نفسه باستمتاع، لن أقول مواز، وإنما مقارب لما يشعر به عندما يمارس ألعاب الفيديو أو يتفرج على برامجه المحببة في التلفاز أو يتصفح مواقع الانترنت التفاعلية، وهكذا. والهدف الرئيسي هنا هو زرع سلوك وفعل القراءة في البرنامج العقلي والنفسي للطفل، وكسر حاجز النفور بينه وبين الكتاب المطبوع، ولا مشكلة أن يقرأ في بداياته ما يحب؛ سواء أكان ذلك عن كرة القدم أو عن الطائرات أو عن الفضاء أو عن الحيوانات، أو عن أي شيء آخر ــ مع وجود الضوابط الدينة والأخلاقية طبعا ــ لكن المهم في هذه المرحلة أن يقرأ.
هذه الفترة الابتدائية لدخول الطفل إلى عالم القراءة والمطالعة قد تطول وقد تقصر، ولكنها تحتاج حتما إلى الصبر والأناة وعدم الاستعجال، وتحتاج كذلك إلى ربطها بعملية متابعة من قبل الأبوين لهذا الطفل الجديد على عالم القراءة والمطالعة، ومناقشته ومحاورته فيما يقرأ. يجب أن يطلب منه أن يقرأ ليتحدث بعدها عما قرأ، وأن يحاور كي يتفكر فيما قرأ، فتثور عنده التساؤلات المعرفية، ليعود باحثا عن إجاباتها، وهكذا مع الوقت واستمرار الممارسة سيجد نفسه منغمسا في عالم القراءة الجميل رويدا رويدا.
بعد هذه المرحلة، وبعدما يعتاد الطفل على الأقل على الإمساك بالكتاب وتصفحه وقراءته، يؤخذ بيده نحو عالم الكتب الأكثر تنوعا، فيطلب منه أن يختار من على رفوف المكتبات، ما يفضل، ولكن بعيدا شيئا ما عن اهتماماته المباشرة، وكأنه الآن سينطلق في رحلة اكتشاف، فيستمر يقرأ ويناقش ويحاور ويتساءل، وهكذا سيولد عندنا طفل، سيكبر ليصبح شخص قارئ، قادر على الحوار والمناقشة، وعلى التعبير عن نفسه، وعلى الوصول بأفكاره إلى ما بعد المعلومة المباشرة التي وجدها مكتوبة على السطور.
هذه الوصفة المختصرة – والتي قد تكون بطيئة أحيانا – هي من واقع التجربة وصفة مضمونة إلى حد بعيد لأنها لا تلقي بكل المسئولية على عاتق الطفل ليقرأ، وإنما هي وصفة تجعل من الوالدين، أحدهما أو كلاهما، شريكين حقيقيين في عملية صناعة طفلهما القارئ.

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.