ودارت الأيام.. كلمات على هامش أحداث "خلية العبدلي"

ShaheD02ودارت الأيام، فأصبح من كانوا بالأمس، يوم أحداث “مسجد الصادق”، يكيلون الاتهامات في كل إتجاه ويتصيدون في المياه العكرة ويطالبون بسحب هذا وفصل ذاك، ومراجعة المناهج الدينية، وإلغاء كلية الشريعة، ومعاقبة الناس بلا دليل دامغ ولا محاكمات عادلة، وتعليق المشانق، أقول صاروا اليوم في موقع الاتهام، حيث انعكست الآية، مع أحداث “خلية العبدلي”، فتغير لسانهم، وصاروا يطالبون بالتعقل والتثبت والهدوء والحكمة. ولا غرابة، فهذا طبع الأيام، فالأيام دوارة، وهذا شأنها منذ فجر التاريخ، والأغبياء وحدهم من لا يتعلمون الدرس.

أغلب العموم بسطاء وغوغاء لا يركن إليهم، وهذا طبع المجتمعات في كل زمان ومكان. وعندما نقول “العموم” فلا شأن للتعليم أو الشهادة أو الأصل أو الفصل بالمسألة ، فكثير من الغوغاء هم من المتعلمين ومن حملة الشهادات ومن أصحاب الأصل والفصل. الناجون من دوامة الغوغائية ومستنقعها قليل. تعرفهم باتزانهم على الدوام مهما كانت طبيعة الحدث، ومهما كان بعدهم أو قربهم منه. مبدؤهم ثابت ومعاييرهم ثابتة ومنطقهم موزون على ميزان المصداقية والحق.

هؤلاء هم أنفسهم من طالبوا بالأمس، في أحداث مسجد الصادق، بالتمسك بالوطنية واللحمة المجتمعية، وطالبوا باتخاذ القرارات الحكيمة، وإرساء العدالة للمتهمين وتطبيق القانون بكل شفافية، وهم أنفسهم من يطالبون اليوم كذلك، مع أحداث خلية العبدلي، بالتمسك بالوطنية واللحمة المجتمعية، ويطالبون باتخاذ القرارات الحكيمة، وإرساء العدالة للمتهمين وتطبيق القانون بكل شفافية. هم هكذا لأن الحق ثابت واحد لا يتجزأ ولا يتلون حسب الظروف والأحداث واختلاف المواقع .

عشرات، بل ربما مئات، ممن رفعوا بالأمس شعارات الوطنية وحماية الأمن، من الشخصيات المعروفة والإعلاميين والنشطاء، ولوحوا بها كانوا ينتصرون لدوافعهم الطائفية والفئوية في الحقيقة، ولو كان منهم من لا يشعرون، فكان أغلب ما قالوه من قبيل الحق الذي أريد به الباطل، واليوم دارت الدائرة وانعكست المواقع، فجاء دور الفريق الآخر ليرفع ذات الشعارات ويصطاد في ذات المياه العكرة، انتصارا لدوافعه الطائفية والفئوية كذلك، وتشفيا وانتقاما من فريق الأمس.

مباراة سمجة، ولعبة خرقاء، ضحيتها في الأول والآخر هي الكويت. وهي ذاتها اللعبة التي تكررت مرات ومرات في هذا البلد المسكين، وستظل تتكرر وتدور كثيرًا في القادم من الأيام، ما لم يوضع لها حد ويقطع دابرها.

وضع حد لهذه اللعبة المريضة بيد السلطة في المقام الأول ، لو هي أرادت ذلك حقًا. لكن الواضح عند المتابع الفطن بأنها لا تريد ذلك، وكأنها تظن أن ذلك يبقي جميع خيوط لعبة السيطرة على فئات المجتمع بيدها، من خلال تفريقها وشرذمتها.

ظن مدمر خاطئ لن يقود في النهاية، إلا إلى غرق السفينة بكل من عليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.//

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

  • أكاديمية نيرونت

    صدقت ودارت الايام . . اعجبنى لغة
    الحوار التى تقدم بها موضوعك