نظرات حول القراءة ونوادي الكتاب

العذر الأكثر انتشارا بين من لا يداومون على القراءة، أعني قراءة الكتب الثقافية العامة، هو أنهم لا يجدون الوقت لذلك في زحمة مشاغل الحياة اليومية، ما بين العمل والالتزامات العائلية والاجتماعية وغيرها، والحقيقة أن هذه الذريعة غير صادقة عند أغلب هؤلاء الناس، فلدى كثير منهم الوقت الكافي لمشاهدة التلفاز لساعة أو اثنتين وربما أكثر من ذلك يوميا، ولديهم الوقت الكافي للذهاب إلى المجمعات التجارية لمرة أو مرتين وربما أكثر من ذلك أسبوعيا، ولديهم كذلك الوقت الكافي لتصفح شبكات التواصل الاجتماعي عبر هواتفهم الذكية لساعات غير محسوسة في كل حين، ولذلك عندما يقول أحدهم بأن ليس لديه الوقت الكافي للقراءة، فهذا غير صحيح. من أراد شيئا ما بصدق أوجد لنفسه الوقت اللازم للسعي إليه .

الحقيقة هي أن أغلب الناس لا يؤمنون عميقا بضرورة أن تكون القراءة جزءا لا يتجزأ من حياة الإنسان ، حتى وإن كانوا يعترفون بفائدتها نظريا، تماما مثلما أن أغلب الناس لا يمارسون الرياضة ولا يعتبرونها جزءا من حياتهم، حتى وإن كانوا يعترفون بفائدتها نظريا. كما أن فائدة القراءة عند أغلب هؤلاء محصورة بمسألة الحصول على المعرفة والثقافة، وهو ما يرون إمكانية الحصول عليه اليوم من مصادر “عصرية” أخرى، أسرع وأسهل وأكثر تشويقا وامتاعا، وهذا أمر يستحق الوقوف عنده أيضا. لهذه الأسباب تظل القراءة بالنسبة لكثير من هؤلاء الناس مجرد هواية من الهوايات، فكما يهوى البعض ممارسة الرسم أو جمع الطوابع فمن الممكن أن يهوى بعض آخر القراءة.

من واقع تجربة امتدت لسنوات طويلة في النظر والبحث والتأمل في شأن القراءة وأحوال القراء، وكذلك في إنشاء نوادي الكتاب، أستطيع أن أقول الآن بكل اطمئنان بأن السبب الرئيس وراء عزوف كثير من الناس عن القراءة وعن تداول الكتب هو أن “فعل” القراءة ليس بالفعل الماتع، وأن الكتاب أداة باردة غير مثيرة، خصوصا عند مقارنتها بأدوات العصر الحديث من أجهزة تلفزة مثيرة وكمبيوترات لوحية مدهشة وهواتف إلكترونية ذكية وغيرها مما يُزعم بأن من الممكن له أن يحل محل الكتاب.

أدرك أن مثل هذا الكلام قد يثير حفيظة أهل القراءة وعشاق الكتب، ممن يجدون فيهما متعة لا تضاهيها متعة، ولذة لا تدانيها لذة، إلا أنه يظل كلاما صحيحا في حالة “غير القراء”. يمكنني أن أشبه الأمر، على سبيل التقريب، بأناس يعيشون في قرية هادئة تحدها جبال شاهقة وعرة من كل صوب. يعيشون حالة من الاستقرار والراحة، فلا تثيرهم لذلك فكرة تسلق تلك الجبال الوعرة ولا يرغبون بالخروج عن قريتهم المألوفة المريحة، بحثا عن مجهول ينكرونه لأنهم لا يدركونه. هؤلاء هم غير القراء. أما أهل القراءة وعشاق الكتب فهم أولئك القلائل الذين تسلقوا تلك الجبال الشاهقة، وتحملوا مشقة اجتيازها ليكتشفوا، من بعد ذلك، أن خلفها عشرات العوالم السحرية وعشرات الدروب المختلفة من المتعة واللذة والدهشة.

تكرست هذه الحالة من “استثقال” القراءة والعزوف عن الكتب في مجتمعاتنا العربية، بسبب أن أغلب الأنظمة التعليمية قد قرنت عمليتا القراءة وتداول الكتاب بأساليب ثقيلة غير ماتعة من التلقين والتحفيظ بهدف تجاوز الاختبارات والانتقال من سنة دراسية إلى أخرى فحسب، ولم تعر أي اهتمام إلى ضرورة أن تقرن المسألة لدى الطلاب، خصوصا في المراحل الدراسية الأولى، بحالة من الراحة النفسية والاستمتاع كي لا ينتج عنها عزوفهم.

أعود هنا إلى مسألة حصر فوائد القراءة في الحصول على المعرفة والثقافة، كما يقول بذلك أغلب الناس، فأقول بأنها من فوائـد القراءة ولا شك، ولعلها الفائدة الأظهر والأشهر، إلا أن للقراءة فوائد عديدة أخرى، مثبتة علميا، تتجاوز المعرفة التي صار من الممكن الحصول عليها اليوم فعلا من مصادر أخرى أكثر تشويقا وإبهارا. من هذه الفوائد التي لا يمكن التحصل عليها جميعا من أي مصدر آخر غير القراءة إثراء القدرات اللغوية وتحسين المهارات الكتابية، وكذلك تقوية الذاكرة وزيادة القدرة على التركيز، وتطوير ما يسمى بمهارات التفكير العليا وصولا إلى رفع معدلات الذكاء العقلي والذكاء العاطفي، وتقليل القلق والتوتر النفسي، وحصول القارئ على المتعة والراحة النفسية، وغيرها من الفوائد الجمة.

تأتي فكرة نوادي الكتاب لتتصدى لحالة الاستثقال والعزوف عن القراءة التي يعاني منها كثير من الناس، ولذلك تقوم أساسا على فكرة خلق حالة من المتعة أثناء تداول الكتب وقراءتها.

تدور فكرة هذه النوادي حول أن يتّفق مجموعةٌ من الأشخاص، على البدْء بقراءة كتاب ما قراءةً متزامنة، كلٌّ على حِدَة، قراءة غير متعمقة ولا ثقيلة، تماما كقراءتهم للجرائد أو المجلات، على أن يترك المجال بالطبع لمن يجد في نفسه رغبة لقراءة أكثر عمقا من ذلك لأن يفعل، ومِن ثمّ يجتمعون في جلسة أو عدّة جلساتٍ يُحدّد موعدها سلفاً انطلاقاً ممّا تراه المجموعة، وذلك وفق الحاجة ووفق حجم الكتاب؛ لمناقشة ما جاء فيه والحديث عمّا قُرئ من أجزائه، وعادّة ما يُنصّب مسؤولٌ عن الجلسة لإدارتها. ومِن المُمَارَس أنْ يأتي المشاركون إلى الاجتماع وقد قرأوا ما تيسر لهم من الكتاب، وجهزّوا أفكارهم وملاحظاتهم وتساؤلاتهم حول ما أُشكل عليهم فهمه، لتُطرح في الاجتماع لمناقشتها وللاستماع إلى آراء زملائهم حِيَالها.

يجدُ المشاركون في هذه النوادي مُتعةً كبيرةً وفائدةً عظيمة، إذْ تتلاقى أفكارُهم فيكمل بعضها بعضا، وبذلك يزداد فهمهم واستيعابهم للكتاب الّذي بين أيديهم، وهو الكتاب الذي كانوا قد قرأوه أصلا قراءة سلسة سهلة غير ثقيلة، ومن شأن هذه النوادي أن تُحفّز أعضاءها على مُواصلة القراءة مدفوعين بحماس المجموعة للانتهاء من الكتاب، وتفاعلها المستمرّ معه.

من الفوائد الكبيرة لهذه النوادي أيضا، أنّها تدفعُ المشارك فيها إلى أن يُخصّص وقتاً مُحدّداً وثابتاً للقراءة يستقطعه من جدوله اليوميّ، أو الأسبوعيّ، حتّى يتمكّن من مُسايرة النّقاش في الاجتماعات الدّورية، وبذلك تُساعد على نشر ثقافة الالتزام بالمواعيد بفضل الالتزام نحو المجموعة بقراءة الكتاب المحدّد، والاستعداد لمناقشته في الموعد المعيّن. وتساعد كذلك في إكسابِ المُشارِك مَلَكَات أسلوب الاستماع للرّأي الآخر، والتّعامل معه واحترامه، وتُساهم في إكسابه مهاراتِ النّقاش والتّعبير عن الأفكار أثناء الجلسات الحواريّة أمام جمهور من الناس.

نوادي الكتاب فكرة منتشرة جدا في الغرب ، ولعل أشهرها نادي الكتاب الذي أطلقته مقدمة البرامج الأميركية المعروفة، أوبرا وينفري، من خلال برنامجها الشهير، حيث كانت تعلن عن اسم كتاب، ليسارع الناس في اقتناءه وقراءته وإبداء الرغبة في المشاركة معها لنقاشه لاحقا، فتستضيف منهم من يقع عليه الاختيار، وقد دخلت فكرة نوادي الكتاب إلى عالمنا العربي في السنوات الأخيرة بشكل واضح، بعدما كانت مقصورة على الصالونات الثقافية النخبوية المختلفة الطابع، وأخذت في الانتشار بشكل مشجع، وبالأخص في أوساط الشباب. من أبرز التجارب في هذا الصدد تجربة مشروع “الجليس” الذي انطلق في دولة الكويت بجهود شبابية تطوعية صرفة، ليضم تحت مظلته اليوم قرابة الخمسين نادٍ للقراءة.

لا أجد ما أختم به هذا المقال أفضل مما قالته الشاعرة الأميركية آمي لوويل (1874 – 1925)، التي فازت بجائزة بوليتزر للشعر، “إن الكتب أكثر من مجرد كتب. إنها الحياة. إنها قلب الأزمنة الماضية ولبها وجوهرها، لأنها تكشف ما لأجله عمل الأولون وماتوا. إنها معنى حيواتهم وخلاصتها”.

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

  • أكاديمية نيرونت

    المكتبة
    امر ضروري وهام لكل الاشخاص فى العصر الحالي تسلم اناملك علي مقالاتك الرائعه