المدارات الذهبية للسعادة الدائمة

true_happiness_elephant1

هناك فرق جوهري بين أن تنبع السعادة من داخل الإنسان وفقاً لمنظومة أفكاره وقناعاته وأفعاله الناتجة عنها، وأن يظل منتظراً لها على أمل أن تأتيه من الخارج بواسطة مخلوق آخر، كائناً من كان أو ما كان، لهذا يخطئ الواحد منا كثيراً عندما يبحث عن السعادة خارج نفسه، وبالأخص عند من لا يملك أن يعطيها له على كل حال. عندما يربط المرء سعادته مثلاً بشخص معين أو بوظيفة محددة أو بظروف معيشية بعينها، فإنه يقيدها بما هو خارج عن سيطرته تماماً حينئذ، ليصبح مهدداً على الدوام بزوالها، ولهذا فإن الحقيقة الراسخة التي أدركها الحكماء منذ القديم هي أن مفتاح السعادة الحقيقية بيد كل إنسان منا لو هو أدرك هذا تماماً وأحسن التصرف بمقتضاه.

ومادام الأمر كذلك، فمن الذي يمنعك أن تكون سعيداً الآن؟ إن كنت ممن قيدوا سعادتهم بالظروف الخارجية أو بالآخرين فإنك أنت من حرم نفسه السعادة، ولا أحد سواك!
تفكرتُ كثيراً في مضامين ودلالات السعادة، ولعلي قضيت شطراً كبيراً من حياتي الماضية، ولا أزال، في هذه الرحلة التأملية، على أمل أن أستدل على الطرق والوسائل الكفيلة بأن تجعلني مصدراً لسعادة نفسي في المقام الأول وسعادة الآخرين من حولي تالياً، فتوصلت، بعدما تقلبت كثيراً، أن الأمر يدور في المدارات التالية على الجملة.
أولاً، عليك أن تكون على اتصال وثيق بخالقك العظيم سبحانه، ولا سبيل لأن يتحصل المرء على رضا الله كسبيل التقرب إليه بما افترضه عليه، ومن ظن واهماً أن السعادة كامنة في رضا الناس على حساب دينه أغضب ربّ الناس وكانت سعادته باباً سريعاً لسخط الناس عليه، ومن ابتغى السعادة برضا الله فإنه سعيد لا محالة في الدنيا والآخرة، وسيجد حلاوة الإيمان ولذة الطاعة في شغاف قلبه وطيات نفسه.
ثانياً، عليك أن تتقبل ذاتك. أحبب هذا الشخص الذي أنت هو كما هو، لأنك أكرم المخلوقات، وجعلك الخالق خليفته في الأرض، وما كان الله، عز وجل، ليعطي هذه المهمة الجليلة، خلافته لعمارة الأرض، إلا لمن هو أهلٌ لها. كل شخص منا لديه الأدوات والقدرات اللازمة للقيام بدوره الاستخلافي المكتوب عليه، لكنه بحاجة دائماً وقبل أي شيء إلى التعلم والتدرب حتى يكون جاهزاً للعمل. من لا يدرك هذا الأمر ولا يعمل بمقتضاه، ارتضى لنفسه أن يرعى مع الهمَل.
ثالثاً، تحمّل مسؤولية حياتك بكل تفاصيلها، فمن يتهرب على الدوام من تحمل المسؤولية عن إخفاقاته وفشله فيلقي باللائمة على الظروف تارة وعلى الآخرين تارة أخرى، يسلك مسلك الجبناء والمتخاذلين، أولئك الذين لا يجرؤون على مواجهة حقيقة تكاسلهم وتقصيرهم وأخطائهم، ولا يرغبون في العمل الجاد لتغيير واقعهم الرديء نحو الأفضل.
رابعاً، اجعل من نفسك فعل حب متواصل للآخرين وللحياة بأسرها. حبّ الآخرين ليس خياراً يمكنك أن تتردد فيه، فمن يستغرق في الحسد والشحناء والبغضاء طوال عمره ينتهي إلى أن يبغض نفسه وهو لا يدري، ومن يبغض الحياة بإعراضه عن مباهجها المباحة فستصبح على سعتها ضيقة حرجة في عينيه، ولن يرى السعة والنور ولن يعرفهما أبداً. يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “لا يُؤمن أحدكم حتى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه”… قاعدة سامية تلقاها النبي عن ربه تدعونا إلى الإقبال على الحبّ من أوسع أبوابه حتى نظفر بالإيمان الحقيقي والسعادة.
خامساً، تعلَّم فن الاتصال بالآخرين وأتقنْه ومارسه. لا يمكن للمرء أن يكون سعيداً وهو حابس لنفسه خلف الشاشات ووراء الأبواب في اعتزال طوال الوقت، يقول الرسول الكريم”: “المؤمنُ الَّذي يخالطُ النَّاسَ ويصبرُ علَى أذاهم خيرٌ منَ المؤمنِ الَّذي لا يخالطُهم ولا يصبرُ علَى أذاهم”. عليك يا طالب السعادة أن تخالط الناس بخلق حسن ولسان طيب، وأن تصبر على ما قد يبدر منهم من أذى، وأن تغفر لهم زلاتهم حتى تكسب قلوبهم وتستحوذ على مقاليد نفوسهم ليعلو حينئذٍ ذكرك بينهم فتفوز بالسعادة.
سادساً، قدم المعروف والعون للآخرين مادمت عليه قادراً، وكلنا قادر على فعل الخير بشكل من الأشكال، وبقدر من الأقدار. إن العطاء يجلب السرور للمعطي قبل المتلقي، وعندما يقيل المرء عثرة أخيه الإنسان أو يعين أحداً على رفع نوائب الدهر أو يسد دين مكروب أو يمد يد المساعدة إلى فقيرٍ أو محتاج، فإنه في الحقيقة يشتري السعادة في الدنيا ويودع في رصيد حسناته في الآخرة. اجعل لنفسك ورداً دائماً لا ينقطع من المعروف وعمل الخير تجاه الآخرين، واجعله إن استطعت خبئاً بينك وبين علام الغيوب.
سابعاً، انظر إلى الجانب الإيجابي في كل أمورك وكن من الشاكرين الصابرين الحامدين دوماً، حتى تكون من المشمولين بحديث الرسول الكريم: “عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له”. ارتدِ نظارة التفاؤل القائم على الموضوعية والحسابات الصحيحة، وابحث دائماً عن الضوء في نهاية النفق، وتذكرْ كم من مشكلة مرت عليك فخرجت منها بفضل الله وكنت تحسبها من شدة اليأس باباً لم يخلق بمفتاح، كما قال الشاعر زين بن بيه. احرص على النظر إلى الجانب الآخر من أي مشكلة، واستعن بالله، واستشر واستخر، وستشرق شمس الحلول أمام ناظريك. النصيحة هنا هي ألا تُحاول أن تغرق نفسك في كلّ شاردة وواردة، بل اسمح للأشياء الصغيرة أن تمرّ بسلام ودون ضجيج، والتغافل كما قيل من سمة الكرام.
ثامناً، كن من الراضين بما قسمه الله لهم. نعم، عليك بالسعي والجد والاجتهاد كي تفوز بنصيبك من خيرات الله في الدنيا، كما قد يكون فاز بمثلها غيرك، ولكنّ عليك أن تتذكر دائماً أن كل شيء عند الله بمقدار ولحكمة، فإن أعطاك كثيراً فقد أعطاك لحكمة، وإن حرمك شيئاً فقد حرمك لحكمة، وأنه أعلم بحالك ومآلك، وتذكر دائماً وأبداً أن الرضا والقناعة رأسمال لا ينفد.
هذه كانت خلاصة تأملاتي في مدارات السعادة، وأرجو لها أن تجد القبول وأن تضيء شيئاً من النور، فإن وفقت إلى ذلك فالحمد لله.

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.