يا صاحبي تبسَّم!

Don't Cry... Smile...,,

يكاد تبسم الغرباء في وجوه بعضهم بعضاً يكون من القواعد الثابتة عند الغربيين، فتراهم يتبادلون الابتسامات في الطرقات والمحال والأماكن العامة، فالرجل يبتسم للرجل والمرأة على حد سواء، والمرأة تبتسم للمرأة والرجل على حد سواء، الكبير يبتسم للصغير والصغير يبتسم للكبير، الأمر سلس جداً هنا، والابتسامة معناها دائما رسالة (كبسولة) تقول: صباحك جميل، أو مساؤك طيب، أو شكراً أو ما شابه، وليس في المسألة أي دلالات أو إيحاءات أخرى.
زرت بلاد الغرب كثيرا، وعشت فيها شطرا من حياتي أثناء فترة الدراسة، ورأيت هذا الأمر بعيني وعايشته بنفسي، في إحدى المرات رأيت عجوزاً تقترب من امرأة جميلة لا تعرفها كي تخبرها: إن لك أجمل ابتسامة وقعت عليها عيناي.
لكن الأمر مختلف تماما في بلادنا، فعلى الرغم من أن ديننا يحضنا على الابتسام، وأن نبينا عليه الصلاة والسلام قد قال: “تبسمك في وجه أخيك صدقة”، إلا أن الأمر ليس سهلا أبدا، بل إن البعض عندنا يعتبر “التبسم من غير سبب من قلة الأدب”!
أجريت استفتاءً سريعا على من حولي وسألتهم: هل تتبسمون في وجوه الغرباء، فكانت إجابة من يفعلون ذلك أنهم يحاذرون حين يفعلون ذلك حتى لا يساء فهمهم، وحتى لا يوقعون أنفسهم في مواقف محرجة. ولا عجب في ذلك، فمن يتبسم عندنا في وجه شخص غريب ينظر إليه بشيء من الاستغراب وربما الاستهجان، لأنه عند القوم هنا لا يصح أن تتبسم إلا لمن يعرفك وتعرفه، وأما التبسم في وجوه الغرباء فهو ضرب من ضروب التجاوز، وبمثابة الاقتحام لمساحتهم الشخصية!
حين يتبسم الرجل لرجل لا يعرفه في بلادنا فغالبا سيقابله الآخر بنظرة شرسة تقول: لماذا تتبسم في وجهي وأنا لا أعرفك؟ وربما يتطور الأمر لأكثر من ذلك في بعض الحالات، والأخطر من ذلك لو هو تبسم في وجه امرأة غريبة، فهذه الابتسامة لا يمكن أن تجد لها محملا من محامل إحسان الظن بأي حال من الأحوال.
والمرأة في المقابل لا تتبسم للغريبات، لأن هذا، كما سمعت من بعضهن، يهدد مظهرها أو ما يسمينه الآن “البرستيج”، وبالطبع لا تتبسم للغرباء من الرجال فهذه خفة لن يتلقاها الرجال إلا بصورة سيئة وبسوء ظن حتماً.
مسألة التبسم هي مسألة ثقافية على طول الخط، ثقافتنا اليوم ليست ثقافة تبسم، وإن كانت كذلك في وقت من الأوقات فما عادت كذلك في عصرنا الحالي، حيث تمت برمجة الناس عبر عقود من الزمن في الاتجاه المعاكس، وصار التجهم والعبوس هما سيدا الموقف، وأما الابتسامة فلا عزاء لها.
أحاول جاهدا ألا أقع في مستنقع هذه الثقافة الجافة، لذلك أحاول التبسم دوما في وجوه الناس بقدر ما أستطيع، ممن أعرف ومن لا أعرف، لكنني والحال ما وصفت، أحاذر حتى لا يساء فهمي لطبيعة الحال، حين أتبسم في وجه من لا أعرف من الرجال أرفق الأمر غالبا بالتحية، وحين يكون التبسم في وجه امرأة غريبة أحرص على أن يكون ذلك مع خفض للنظر ناحية الأرض في إشارة إلى احترام خصوصية الطرف الآخر.
لست مضطرا، طبعا لفعل شيء من هذا، فالسائد بين الناس هو التجهم والعبوس أو ارتداء ملامح باردة جافة على أقل تقدير، لكنني أحرص عليه لأني أؤمن بأن التبسم يلين الطباع ويرتقي بالنفس ويبرمج المزاج إيجابيا.
هل سبق لكم أن رأيتم متجهما عابسا طوال الوقت كان من الناجحين الإيجابيين المقبلين على الحياة؟ لا أظن ذلك!

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.