تأنق واخرج على الدنيا! الضغط بقدر معقول يكون دافعاً للعمل والاستعداد، لكنه عندما يزيد على الحد الذي يتمكن معه الإنسان من الصمود فإنه سيقصم ظهره

400px-Zorba-the-Greek-01-774575

 

في الموروث الآسيوي القديم أن حكيماً كان يسير في الأدغال، فإذا بنمر يخرج من بين الأشجار ويشرع بمطاردته، فهرب الحكيم وقفز من حافة جبل وتمسك بغصن شجرة، وبعد ثوان جاء فأر وأخذ يقرض الغصن، والنمر في الأعلى يتحفز بأنيابه ومخالبه الحادة، والهاوية في الأسفل تنتظر سقوطه على صخورها القاسية، في تلك اللحظة رأى الحكيم ثمرة توت على الغصن بجانبه، فمد يده واقتطفها وأخذ يستمتع بأكلها!
قصة غريبة بعض الشيء، لكن فيها حكمة إدارية نفسية بليغة.

حياتنا جميعاً أشبه بحياة هذا الحكيم، تتناوشنا الضغوط والهموم من كل الاتجاهات، ونحن اليوم في “عصر الضغط” الذي يأتينا من كل ناحية بلا منازع، لكن الفرق بين فرد وآخر، هو في طريقة رد الفعل والتعامل مع هذه الضغوط.
كان من عادة زوربا اليوناني، وهي الشخصية المحورية في رواية الكاتب اليوناني كازانتزاكيس التي جاءت بنفس الاسم، أنه كلما أصابته مصيبة أو اعتراه همّ، شرع بالرقص والضحك.

نحن بحاجة إلى أن نتعامل مع الضغوط بهذه الطريقة، وليس بالضرورة أن نشرع بالرقص والغناء والضحك، وإن كان ذلك مفيداً لمن يستطيع أن يفعله، ولكن يجب ألا نسمح للضغوط أن تنال منّا وأن تسقطنا وتهزمنا.

في كتب “التعامل مع الضغوط” يقال إن الضغط الذي نتعرض له يمر بثلاث مراحل أساسية؛ أولها، مرحلة الانتباه لوجود الضغط، وبعدها تأتي مرحلة المقاومة والتعامل مع هذا الضغط، وآخرها مرحلة الانهيار تحت وطأة الضغط. طريقة الإنسان في مواجهة الضغط والتعامل معه ومقاومته هي المرحلة الفاصلة ما بين الصمود والانهيار.

التعامل مع الضغوط من حولنا بطريقة عملية يجب أن يكون على ثلاثة أشكال؛ إما بالمواجهة الفورية بعد تحديد مصدر الضغط وسببه والسعي إلى معالجته، وإما بتأجيل المعالجة إلى وقت مستقبلي، إن كان هذا ممكناً، وإما بالتعايش والتجاهل، لكن المهم في هذه الأشكال الثلاثة ألا يتمكن الضغط من النفاذ إلى نفس الإنسان ومزاجه، وأن يبقى على مستوى عقله ووعيه. وهذا الأمر ليس بالأمر الهين بطبيعة الحال، فليس من السهل أن يكون هناك نمر يترصدنا في الأعلى وهاوية سحيقة في الأسفل وفأر يقرض الغصن الذي نتعلق به، وأن نجد مزاجاً لتناول التوت، لكن الحقيقة هي أن القلق من المستقبل، الذي قد يبدو محتوماً أو صعباً، لن يغير من الأمر شيئاً، إن الاستمتاع بجمال اللحظة الحالية والعيش فيها بأقصى متعة ممكنة هو الأصوب، لو نحن نظرنا بتجرد إلى هذه الحقيقة.

الضغط بقدر معقول يكون دافعاً للعمل والاستعداد، لكنه عندما يزيد على الحد الذي يتمكن معه الإنسان من الصمود فإنه سيقصم ظهره ، والدراسات والمشاهدات الطبية أثبتت أن الضغط النفسي سبب لكثير من الأمراض العضوية والنفسية.

يحتاج الواحد منّا أن يعي هذه الحقائق وأن يدرك أن طريقة تعامله مع الضغوط من حوله هي التي تحدد النتيجة، فرد الفعل الذي يقوم به زيد تجاه مصدر الضغط إلى النتيجة ألف، ورد الفعل الذي يقوم به عبيد تجاه المصدر ذاته يقوده إلى النتيجة باء، والمحك يا سادتي هو قراراتنا وتصرفاتنا وردود أفعالنا تجاه الضغوط.

عندما تتكالب عليك الضغوط وتعتريك الهموم فلا تسمح للدنيا أن تراك مهزوماً، بل تأنق وارتدِ أجمل ابتسامة، وثق برحمة الله، واخرج عليها!

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

  • saad7

    جميل الموضوع
    واصل في العطاء

    وفقكم الله