رسالة من جيبوتي!

djiboutiحين جاءتني الدعوة من الإخوة في جمعية الرحمة العالمية للمشاركة في زيارة سريعة إلى جيبوتي لم أكن أحمل تصوراً مسبقاً عما يمكن أن أراه هناك، وقصارى الأمر أني تصورت أننا سنزور أحد المشاريع الخيرية للاطلاع على أعماله وطبيعة نشاطه، ولم أكن أمتلك الفرصة للتفكير في المسألة لأني كنت في خضم العديد من الانشغالات حينها، فوافقت دون سؤال ودون تفكير عميق وحسبي أن تأكدت أن وقت الرحلة سيكون مناسبا لجدولي، لكن الآن وبعدما انقضت الرحلة، أو شارفت على الانقضاء فأنا أكتب هذا المقال من جيبوتي وما عدت حتى الساعة، يمكن لي أن أقول إن هذه الرحلة ستكون من الرحلات الأهم في سائر حياتي ومن المحطات المفصلية بالنسبة إلي!
نعم كنت أعرف أن جيبوتي بلاد فقيرة، وأن الناس في جوع ومعاناة شديدين، ولكن أن تسمع وتقرأ وتشاهد صورة أو مقطعاً من فيديو أو اثنين أو حتى عشراً أو ربما مئة فليس الأمر مثل أن تعايش الواقع عن كثب بالمرة، وأن تشاهده على الطبيعة وتلمسه بيدك.
حقيقة صادمة إلى حد الرعب أن ترى بعينيك أنه في ذات الوقت الذي كنت تعيش فيه مرفهاً لا تحتاج إلا أن تمدّ يدك لتنال ما تريد وتشتهي مما لذّ وطاب من الطعام والشراب والرفاهية والخدمات والإكسسوارات بأي ثمن كان، فإن هناك بشراً هم إخوان لك في الدين وقبلها نظراء لك في الإنسانية لا يجدون ما يسدون به رمقهم ويكسون به عريهم، ويتظللون به من حرارة الشمس اللاهبة، ويجلسون عليه ليحميهم من سخونة أحجار بركانية محرقة ليلا نهارا كأنها جمر مشتعل!
رأيت بأم عيني، كيف أن في زمننا هذا الذي جعل العالم قرية واحدة، ولم يعد هناك من شيء يخفى على أحد، أن هناك بشراً لا يزالون يعيشون على هذه الأرض دون أن يجدوا أبسط مقومات العيش، وبالرغم من ذلك لا يزالون يتمسكون بأهداب الحياة، ويتمكنون فوقها من الابتسام لمجرد أنهم لا يزالون أحياء فقط!
رأيت بعيني كيف أن الأطفال قد شاخت نظراتهم وكبرت عشرات السنوات وهم لا يزالون في سنوات عمرهم الأولى بسبب صعوبة الحياة وقسوة العيش.
هذه التجربة التي أكرمني الله بها تستحق الحديث عنها لمرات عديدة، وبها من التفاصيل ما يستحق الوقوف عنده، وهو ما سأفعله في مقالات قادمة بإذن الله، ولكنني سأكتفي هذه المرة بأن أقول بأن تلك الصدقات الصغيرة التي قد يبذلها الواحد منا دون أن يلقي لها بالاً، ودون أن تؤثر في ميزانيته أو بما في جيبه، ولا تساوي حتى قيمة كوب من القهوة يشتريه من “ستاربكس” أو غيره ويتركه من ثم على الطاولة بعد لحظات حتى دون أن يشربه كاملا، تعني بالنسبة إلى هؤلاء الناس ما يكفي لإطعام أسرة كاملة منهم ليوم أو اثنين وربما أكثر.
شيخ ضرير طاعن في السن وجدناه جالساً في كوخ متهالك من الصفيح اللاهب، زرناه وتحدثنا معه، وحين علم أننا من جزيرة العرب قال: حين يزورنا العرب نشبع، فقلنا له: حين يأذن الله تشبعون.
تصدقوا يا سادتي ولو بالقليل، فإن القليل عند هؤلاء الناس كثير جدا لو كنتم تعلمون.

 

* الصورة المستخدمة بعدسة الصديق عبد الرحمن التركيت

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.