المادة الثانية من الدستور… مادة غريبة!

تقول المادة الثانية من الدستور إن “دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”، وقد حمَّلت المذكرة التفسيرية المشرع أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك، ودعته إلى هذا النهج دعوة صريحة واضحة، كما لم يمنع نص المادة من الأخذ، عاجلاً أو آجلاً، بالأحكام الشرعية كاملة وفي كل الأمور، إذا رأى المشرع ذلك.
هذه المادة، وعلى الرغم من شهرتها، فإنها أكثر المواد غرابة في الدستور، لأنها وعلى الرغم من عزف الإسلاميين على وترها كثيراً، وتصدي الليبراليين لهم في كل مرة لكفهم عن العزف، لم تحظَ يوماً بالوقوف الموضوعي عند معانيها ولا بالبحث في مدلولاتها ومقتضياتها.
وسأتوقف هنا وقبل الاسترسال، لأقول بأني لست من الميالين لاستخدام لفظة الإسلاميين، لما فيها من نزع صفة الإسلام عن الآخرين، إلا أنني، والحق ما أقول، لم أجد بديلاً عنها، فلفظة “الإسلامويين” التي يستخدمها البعض، لفظة غريبة خرقاء غير واضحة الدلالة، يلتف بها اللسان عند النطق ولا تروق لي، ولذلك فليس لي بد من استخدام اللفظة الدارجة وهي التي تعارف الناس عليها، وكذلك لست من الميالين كثيراً في المقابل لاستخدام لفظة “الليبراليين”، لأن من تطلق عليهم هذه الصفة ليسوا كياناً واحداً متشابهاً، بل إن فيهم من لا يدري ما الليبرالية أصلاً، وفيهم كذلك من امتطى ظهرها لتعطيه الفسحة لممارسة الانحلال الأخلاقي لا أكثر، ولكن على أي حال، فلا محيص من استخدامها فليس عندي غيرها، كما أن القوم قد تعارفوا عليها أيضاً.
أعود لأكمل… على الرغم من إصرار الليبراليين دائماً وأبداً، بأنهم دعاة الدولة المدنية، القائمة على الدستور والمتمسكة بمواده وأحكامه، فإنهم، وكما أرى، لا يعترفون على الإطلاق بهذه المادة التي جاءت مباشرة في الدستور بعد مادة سيادة الدولة، وهم يتكلمون عن كل شيء إلا هذه المادة، وكأنها غير موجودة، أو أنها عبارة شكلية وضعت هكذا لملء المساحة!
أقول هذا متهكماً وأعترف بهذا، لأنه لم يمر علي أحد منهم يوماً، خصوصاً من قانونييهم ودستورييهم، من أعطاها حقها الموضوعي في التناول، فشرح بالضبط، ما المقصود بأن دين الدولة الإسلام، وبأن الشريعة مصدر رئيسي من مصادر التشريع؟ وما الذي عناه الآباء المؤسسون من تحميل المشرع أمانة الأخذ من الشريعة ما وسعه ذلك؟!
فهمي لهذه العبارات، هو أن تقوم قوانين الدولة وأحكامها على الإسلام، وأن يتم استنباطها من الشريعة الإسلامية، ولهذا فلا أدري، إلى أي أساس دستوري قانوني يستند البعض أحياناً في دعوتهم لعزل الدين عن الدولة عزلاً كاملاً، وأقولها صادقاً، بأني أرغب بالفعل في معرفة كيف يمكن هذا في نظر هؤلاء في ظل وجود هذه المادة الصريحة المباشرة في الدستور؟
على الضفة الأخرى تماماً، يقف الإسلاميون في موقف محير، لي شخصياً على الأقل، تجاه هذه المادة، فهم يتعاملون معها كراية يلوحون بها، في الطالع والنازل، لا أكثر، وأعني بهذا أنه لم يمر عليّ أيضاً منهم من تناول المادة في إطارها الدستوري القانوني، مكتفين بترديد نصها، ظانين أن هذا كاف بذاته لينزل القوم عند مقتضاها وأمرها. بل يكاد يخيل إليّ أن بعضهم يتعامل معها وكأنها نص شرعي، مفترضين أنها يجب أن تكتسب صفة القداسة التلقائية لمجرد ورود لفظتي الإسلام والشريعة فيها. لكن هذه المادة في نهاية المطاف ليست سوى مادة دستورية وضعية، لها مدلولات وأبعاد لا تتعداها، ومن الواجب على الإسلاميين التعامل معها على هذا الأساس، والسعي بكل الطرق المكفولة لاستيضاح وتوضيح هذه المدلولات والأبعاد وعلاقة هذه المادة ببقية مواد الدستور، وبالأخص بمواد الحريات الشخصية التي يتذرع بها الآخرون، وبعد ذلك وضعها، وبالإلزام الدستوري، محل التطبيق عبر كل ممارسات ومشاريع قوانين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهو ما لم أرهم يفعلونه أبدا. لقد صار من اللازم على الإسلاميين اليوم التمرد على برمجتهم العقلية السائدة، والإيمان بأن الكويت دولة مدنية دستورية في المقام الأول، لكنها دولة، ولا تعارض في ذلك عندي، يقول دستورها بكل وضوح وصراحة بأن دين الدولة الإسلام وأن الشريعة مصدر من مصادر التشريع، وأن يدركوا أن هذه المادة، في حال تفعيلها “دستورياً”، هي مدخلهم السليم والصحيح لتطبيق شريعة الله شيئاً فشيئاً في سائر الأمور، إن كانوا جادين في ذلك حقاً.
لا سبيل إلا أن يكون هذا، على ما فيه من استفزاز، أدركه وأعرفه، للمسلمات والقطعيات الدينية التي يؤمن بها الإسلاميون، لأن الطريقة السابقة من محاولات فرض الرؤى الدينية على الواقع إلزاماً، لم تجدِ نفعاً ولم تصل إلى أي نتيجة كما أظهرت لنا التجارب.

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

  • Name

    المادة الثانية تتعارض قطعيا مع قيم وقوانين الدولة المدنية العلمانية التي تخاطب جميع المواطنين بشكل متساوي بغض النظر عن لونهم أم جنسهم أم دينهم