محال… ليس جدا

فرغت من قراءة الرواية الأخيرة للكاتب المصري الشهير يوسف زيدان، صاحب رواية عزازيل التي حازت تلك الشهرة الاستثنائية، وحصدت جوائز عديدة منها الجائزة العربية للرواية العربية في العام 2009م، ورواية ظل الأفعى ورواية النبطي.

وعنوان الرواية، كما قال الكاتب نفسه، من الممكن أن يشمل 3 معاني؛ الأول أن ” محال” ممكن تعني أنه من المستحيل عليك أن تمسك باللحظة، لأنها منفلتة دوما، أو أن الحالة الذهنية من المستحيل أن تمتد، فالبطل نفدت منه اللحظات، وثانيا قد تعني كلمة “محال ” أيضا مكان، ومن المستحيل إدراك الوجود الإنساني بمعزل عن المكان والزمان، ثالثا قد تعني “محال” القسوة الشديدة مثلما موجود في القرآن، “إن ربك شديد المحال”، لذا نجد هنا أن من الممكن أن يتم تفسيرها بأكثر من معنى.

كتب على ظهر الرواية أن بطل هذه الرواية شاب مصري سوداني يتسم بالبراءة والتدين، ويعمل كمرشد سياحي في الأقصر وأسوان. وقد كانت أقصى أحلامه هو الزواج من فتاة نوبية جميلة ليبدأ حياة سعيدة هانئة، ولكن نظام حياته المسالم والبسيط ينقلب رأساً على عقب بعد مقابلة مع أسامة بن لادن في السودان في أوائل التسعينيات، لتأخذ الرواية بعد ذلك إيقاعا متسارعا.

لكن وعلى الرغم من الإشادات التي وجدتها عن الرواية في مواقع عدة على شبكة الانترنت، إلا أني شخصيا لم أجد فيها ذلك الشيء الآسر الذي يتحدثون عنه. ولعل ذلك لأني ممن قرؤوا رواية “عزازيل” لذات المؤلف، فوجدت فيها إبداعا واحتشادا مدهشين، وكنت أتوقع من صاحبها أن لا يأتيني بشيء بعدها دون ذلك المستوى.

الرواية متواضعة جدا على سبيل الحكاية. لا شيء مذهل، ولا فكرة جديدة، بل هي فكرة أصبحت اليوم مكررة جدا، بعدما تناولها الكثير من الكتاب بأشكال مختلفة، منها ما هو أكثر إبداعا من “محال”. الشيء الوحيد الذي يجب أن أشيد به، وإلى حد ما أيضا وليس كثيرا، هو اللغة، فيسوف زيدان وكعادته، استخدم لغة شعرية ممتازة، استند فيها في كثير من الأحيان على عبارات وتركيبات لغوية قرآنية، مما قد يعطي للنص وقعا مختلفا على نفس القارئ.

سأعطي الرواية ستة من عشرة “مع الرأفة”، لا أكثر، ولن أنصح بها أحدا بطبيعة الحال.

وعلى أية حال، فالرواية موجودة على موقع 4Shared لمن يريد تحميلها مباشرة، لكنني لا أحبذ ذلك، أولا من باب احترام الحقوق الفكرية طبعا للكاتب والناشر، وثانيا، وهذا بالنسبة لي،  لأن ليس أجمل من تصفح النسخة الورقية لأي كتاب. لكن لعل هناك من سيقول بأنها فرصة للاطلاع على الرواية قبل شرائها، وسأقول، لعله كذلك، خصوصا مع مستوى هذه الرواية المتواضع جدا في نظري.

 

 

 

أرز باللبن لشخصين!

أرز باللبن لشخصين، كتاب، أو سأقول كتيب، زهري اللون مكون من قرابة 125 صفحة. هو في حقيقته تجميع لتدوينات كتبتها رحاب بسام في مدونتها “حواديت” ابتداء من العام 2004.
الكتاب جميل جدا وسهل الهضم وسريع القراءة، وإن احتوى على العديد من الأفكار العميقة التي صيغت ببساطة ومهارة واضحة.

حسنا، هل أنا أقوم بالتسويق للكتاب من خلال هذه المقالة؟

في الحقيقة… نعم! فلو افترضنا أن 500 ألف شخص من المليون قارئ ممن سيطلعون على هذا المقال، سيكملونه للآخر فعلا ولن يقولوا بأن “ما عندي ما عند جداتهم”! ولو افترضنا أن نصف هؤلاء سيجدون المقال جيدا ولن يرموا الجريدة غاضبين، أو ينتقلوا إلى موقع آخر ساخطين، وأن نصف هؤلاء سيهتمون بكتاب أرز باللبن فعلا، وأن نصف هؤلاء سيبحثون عنه، وأن نصفهم سيعثرون عليه حقا، وأن نصفهم سيقررون شراءه بعد الاطلاع عليه، وأن نصفهم سيذهبون ليشترونه فعلا، فنحن نتكلم عن قرابة ال8000 آلاف شخص، وبالتالي وباعتبار أن عمولتي ستكون جنيه واحد على الأقل عن كل مشتر منهم أي 8000 جنيه مصري، فسيكون مربحي مبلغ محترم ويستحق العناء!

طبعا أنا أمزح، فلا أتوقع أن يقرأ هذه المقالة سوى 200 الف قارئ مما سيغير من كل الحسبة أعلاه.

دعونا نتكلم بشكل جاد الآن، الكتاب جميل فعلا ويستحق الاطلاع، وهو في رأيي من كتب القراءات الخفيفة الصالحة لما قبل النوم أو فترات الاستراحة، ومن الكتب الممكن حملها في كل مكان، لولا لونه البناتي الفاقع قليلا ربما، إلا أن هذه المشكلة يمكن علاجها أيضا بتغليف الكتاب بورق جريدة رصينة محترمة مثلا.

تقول رحاب في كتابها الزهري: “لأنها تخاف المرتفعات، لم تثق أبداً في قمة السعادة…ولا قمة التعاسة. تجلس دائماً على المرجيحة المعلقة بين القمتين. فكل سعادة تحمل نُذُر تعاستها، وكل تعاسة تحمل بشائر سعادتها. في السعادة، تتذكر الغائبين، وتتساءل عن دوام تلك السعادة. في التعاسة، يخرج لها القط مبتسماً فجأة من وراء الستائر، أو تأتي قهوتها مضبوطة. من على المرجيحة وصلت إلى الحكمة: كل شيء نسبي، والحياة مراحل.

لأنها تخاف المرتفعات، لم تسع أبداً لقمة السعادة أو قمة التعاسة. ولكنها، ولقِصر قامتها، لم تستطع أيضاً أن تلمس أرض الواقع أو قاع الوهم. لذلك تقضي وقتها على المرجيحة، تدغدغ الهواء بقدمها وتدندن بجدية. وإذا رأت الشمس ساطعة، أخذت معطفها؛ وإذا هبت عاصفة مطيرة، أخذت المايوه.

لأنها تخاف المرتفعات، لم تثق أبداً في قمة السعادة… ولا قمة التعاسة. تجلس دائماً على المرجيحة المعلقة بين القمتين. فكل سعادة تحمل نُذُر تعاستها، وكل تعاسة تحمل بشائر سعادتها. في السعادة، تتذكر الغائبين، وتتساءل عن دوام تلك السعادة. في التعاسة، يخرج لها القط مبتسماً فجأة من وراء الستائر، أو تأتي قهوتها مضبوطة. من على المرجيحة وصلت إلى الحكمة: كل شيء نسبي، والحياة مراحل.

لأنها تخاف المرتفعات، لم تسع أبداً لقمة السعادة أو قمة التعاسة. ولكنها، ولقِصر قامتها، لم تستطع أيضاً أن تلمس أرض الواقع أو قاع الوهم. لذلك تقضي وقتها على المرجيحة، تدغدغ الهواء بقدمها وتدندن بجدية. وإذا رأت الشمس ساطعة، أخذت معطفها؛ وإذا هبت عاصفة مطيرة، أخذت المايوه.”

كلام بديع جدا، أليس كذلك؟!

ماذا ستفعل لو صادفت أسدا؟

من أراد أن يقرأ رواية من العيار الثقيل.. عميقة المشاهد.. كثيفة المعاني.. رواية تحفز عقل القاريء على البحث عن الدلالات، فعليه برواية حياة باي.. رواية مهمة جدا.. وهي من إصدارات دار الجمل.

نبذة موقع النيل والفرات عن الرواية:
تقوم “حياة باي” على تواطؤ خفي، عنوانه، وهذا جوهر الرواية في الوقت عينه: “اختيار القصة الأفضل”. هناك مثلما سيتضح للقارئ، الذي عليه أن يتحلى ببعض الصبر، سيناريوان لـ”ما جرى حقاً”، أو لما يزعم الكاتب يان مارتل بأنه جرى حقاً، في هذه القصة “الحقيقية”، وما على القارئ سوى أن يختار بين حقيقتين، أو بالأحرى بين زعمين، كل منهما يتساوى في درجة حدوثه أو لا حدوثه، أحدهما عقلاني، ومنطقي، والثاني سحري وعجائبي. الزعم الأول هو مما يمكن إيراده في التقارير الرسمية، والزعم الثاني ينتمي إلى عالم المرويات السحرية والخارقة. يبقى الاختيار رهناً بالقارئ نفسه. فإذا كانت الكتابة تشكل خمسين بالمائة من حياة الكتاب، بحسب مارتل، فإن القراءة تشكل الخمسين بالمائة الأخرى، وهذا ليس بالقول النظري، تحديداً في “حياة باي” حيث سيجد القارئ نفسه، في أكثر من محطة، مدفوعاً إلى الاختيار، وإلى التفكير، وإلى الاستنتاج، وباختصار إلى التفاعل.
وهذا التفاعل يبدأ قبل الوصول إلى مرحلة “اختيار القصة الأفضل”، بل عند كل مفصل من مفاصل الرواية، حيث يجد القارئ نفسه مدفوعاً باستمرار إلى التساؤل حول “صدقية” الأحداث التي يسردها الكاتب أو “واقعيتها”، وما إذا كان تمهيد هذا الأخير الذي يقول فيه إن ما سنقرأه هو سيرة شخص حقيقي، أم محض اختلاق جادت به مخيلة الكاتب. “أليس إخبار شيء ما يصبح دائماً قصة؟”، تتساءل الشخصية الرئيسية في الرواي، أي “باي” الذي يوضح أكثر بتساؤل آخر: “أليس استعمال الكمات لإخبار شيء ما، سواء أكانت هذه الكلمات إنكليزية أم يابانية، أمر فيه اختراع أساساً؟ أليس النظر في هذا العالم أمر فيه اختراع؟”. تساؤل يقدّم لنا أحد المفاتيح الأساسية لفهم الرواية، بل ويعيدنا إلى جوهر فن الرواية نفسه، الذي في أي حال من الأحوال لا يقاس بقدر ما يرسم الواقع بصورة تسجيلية، بل بقدر ما يتمكن من القبض على لبّ هذا الواقع أو “جرفه عن مساره وتحويله إلى شيء آخر” مثلما يقول مارتل. علينا إذاً أن نصدق الواقع الحكائي نفسه، قبل أن نبحث عن “الواقع” الذي تنجح الرواية أو لا تنجح في أن تعكسه. الحكاية كاستعارة لا تصحّ كثيراً هنا، بل الرواية كواقع قائم في حدّ ذاته.
بالتالي، لا يعود مهماً أن نصدّق ما إذا كان اسم الشخصية الرئيسية هو “بيسين”، وما إذا كان اعتنق بالفعل ثلاثة أديان دفعة واحدة أم لا، وما إذا كان ظل تائهاً في المحيط الهادئ أشهراً عدة، على قارب نجاة، بصحبة عدد من الحيوانات المفترسة، من بينها أسد، أم لا. تفاصيل قد يراها بعضهم مستحيلة لكن “أليس صعباً تصديق الحب؟”، مثلما يقول باي.

نظرتنا إلى الحياة (وتجربتنا) بالتالي هي التي تحدّد خياراتنا، وما الذي نصدقه أو نرفض تصديقه.

محمد دريه ومحاضرة ساحرة مدهشة، عن القراءة والكتاب الجيد والرواية والمعرفة

محمد دريه.. صديقي القرصان الأسمر، لا ينفك يذهلني.

في محاضرته هذه، يهزني هزا، ويأزني أزا، ويحرضني على الأفكار، ويحرضها ضدي.. لكن شهادتي به مجروحة، فأنا أحب هذا الرجل، ووصف الحبيب لحبيبه لا يعتد به كثيرا.

لكنني، سأترككم والمحاضرة، فانظروا بنفسكم وأخبروني ما تقولون..

 

Video streaming by Ustream

شوربة… طعام، وصلاة، وحب!


تخيلوا شوربة!
شوربة غنية كثيفة مليئة بالمكونات اللذيذة… تخيلوا شوربة ثمار البحر مثلا، وهي تلك الشوربة الثقيلة التي تمتلئ بقطع السمك والروبيان وأشياء بحرية أخرى… تخيلوا هذه الشوربة في قدر كبير، ثم بدأ شخص ما بغرف كل محتوياتها وإزالتها بمغرفة كبيرة، فلم يُبقِ فيها إلا الفتات، ثم صار يضيف إلى القدر ماءً… كثيرا من الماء، وقال لك بعدها تفضل!

مقدمة “الشيف رمزي” هذه، هي بالضبط ما حصل مع رواية “طعام، صلاة، حب” عندما جرى تحويلها إلى فيلم. ولي مع هذه القصة قصة!

كنت بدأت منذ فترة في قراءة الرواية قبل أن تسنح لي الفرصة لمشاهدة الفيلم، وهذا من حسن ظني، فلو كنت شاهدت الفيلم أولا لكنت فقدت الشهية والرغبة بقراءة الرواية ولا شك. وطوال فترة قراءتي واستمتاعي بما أقرأ، كنت أتابع التعليقات ممن حولي حول الفيلم، وأستغرب من أن أغلب من شاهدوه وجدوه باردا ثقيلا وغير عميق، خصوصا وأني كنت قرأت كيف أن كاتبة الرواية إليزابيث جيلبرت قد أشادت به، وبأداء جوليا روبرتس في تجسيد شخصية البطلة بشكل متقن! وعندما وصلت إلى أكثر من ثلاثة أرباع الكتاب، سنحت لي الفرصة لمشاهدته على الفيديو بعدما كان قد توقف عرضه في صالات السينما، فإذا به فعلا، وسأقولها هكذا بلا تحفظ أو تزويق، كارثة وخيبة، ذكرتني بكارثة وخيبة مشاهدتي لفيلم “شيفرة دافينشي” منذ عدة سنوات من بعد قراءة تلك الرواية المذهلة!

اقرأ المزيد

ذكريات وقراءة، في حياة في الإدارة. (نشر في مجلة العربي. ديسمبر 2010م)

كانت معرفتي الحقيقية الأولى بالراحل الدكتور غازي بن عبد الرحمن القصيبي من خلال كتابه ذائع الصيت، والانتشار أيضا، “حياة في الإدارة”. ولعل وقوع هذا الكتاب في يدي يحمل معه قصة ومفارقة في آن واحد، حيث حصلت عليه منذ سنوات من مكة المكرمة، وهنا المفارقة فأغلب كتب الراحل كانت ممنوعة من التداول في بلده السعودية، ولم يفسح لها إلا مؤخرا بعد وفاة مؤلفها!

وأما القصة، وهي لا تخلو من طرافة، فهي أني يومها كنت في رحلة للعمرة مع بعض الأصدقاء، وحين اشتريت الكتاب وجدتني أتعلق به من السطور الأولى، وأنصرف عن أصحابي طوال الرحلة التي كانت بالسيارة، غارقا في سطور تلك المغامرة الإدارية الشيقة، فشعر أحدهم بالأمر، فأثار الكتاب فضوله، وما هي إلا لحظات من بعد قراءته لبضعة سطور، حتى وقع أسيرا بدوره لتلك اللذة اللا متناهية التي كنت آنستها وسرقتني منهم. وطوال الرحلة، صرت وصاحبي نتسابق على من يفوز بقراءة الكتاب قبل الآخر، حتى أتينا عليه كاملا خلال الرحلة التي استغرقت عدة ساعات من مكة والمدينة إلى الكويت، بلدنا. وقد تعلقت من بعد هذه التجربة الفريدة بكل كتابات الدكتور القصيبي، فصرت أبحث عنها وأترقب صدورها وأختطفها حال وصولها عند باعة الكتب والمكتبات.

اقرأ المزيد

قراءة في “أوراق مغربية”

فرغت للتو من قراءة كتاب “أوراق مغربية – يوميات صحفي في الأمكنة القديمة”، للكاتب الصحفي السعودي


نواف القديمي. وقد كانت تجربة ماتعة بحق، فهذا الكتاب المتوسط القطع والبالغ عدد صفحاته المائة وستين صفحة أو أكثر قليلا، مكتوب بلغة سلسة رشيقة، تجد نفسك وقد صرت في سباق معها، تسبقها وتسبقك.
كتب القديمي كتابه هذا على طريقة اليوميات الخفيفة، ليتحدث عن رحلته إلى المغرب وتونس، والتي كانت على هامش أحد المؤتمرات التي حضرها هناك في أبريل من العام ٢٠٠٩م، فالتقى خلالها العديد من الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في الحراك السياسي والفكري في هاذين البلدين.
من خلال صفحات هذا الكتاب سيجد القارئ تسليطا للضوء على بعض الخلفيات التاريخية لنشأة الحركات والأحزاب الإسلامية في تلك البلاد، وكيف سعى أفراد هذه الجماعات، عبر مختلف الوسائل، لإيجاد موقعهم على الساحة السياسية ولنشر فكرهم. هذا الضوء الذي سلطه القديمي على هذه الجوانب، كان يصبح أحيانا ثقيلا على القارئ غير المهتم بالتفاصيل، إلا أنه سرعان ما يعود إلى تلك الخفة والسلاسة التي كتب بها القديمي سائر صفحات أوراقه المغربية.


لا يخلو الكتاب من ذكر لبعض المشاهدات السياحية والتراثية الجميلة عن هاذين البلدين، وهي التي كتبها المؤلف بأسلوب أدبي رقراق، أضافت زخرفا جميلا لهذه الأوراق، كما احتوى الكتاب على تناول ظريف وساخر أحيانا، على الطريقة الصحافية الحديثة، لبعض المواقف والحوادث التي تعرض لها القديمي، والتي حفلت بالاسقاطات السياسية، وإن على استحياء.
خلاصة القول بأن أوراق مغربية، وهو الكتاب الصادر عن دار وجوه للنشر والتوزيع السعودية، كتاب يستحق القراءة، وأستطيع أن أنصح به ككتاب خفيف لتناوله أثناء الرحلات أو أوقات الانتظار، أو في مقهى بصحبة كوب من الشاي، أو القهوة.

عبارات من الكتاب:

“غادرتُ المغرب بعالمه المُختلف، ورجاله المختلفين، وأسئلته المختلفة. وحركته الإسلامية المتطورة، التي باتت تندفع وراء الاندماجات، فيما الحركات الإسلامية الأخرى تنقسم وتتشظى، وتتقدم باتجاه مزيد من الانفتاح والمرونة والذكاء السياسي، فيما تكتفي الحركات الأخرى بتعليق تراجعها على مشجب المؤامرة والابتلاء وتمحيص الصفوف!”

“الكاتب الصحفي الموهوب بات اليوم أندر من الخِل الوفي في الزمن الرديء”

“لا يبدو الموقف من الإسلام عند النُخب العلمانية و المؤسسات الثقافية في المغرب بذات العنف الذي نلمسه عند علمانيي المشرق العربي”

تعريف المؤلف:

نواف بن عبدالرحمن القديمي.
من مواليد الرياض بتاريخ 14 يونيو 1976م
متخرج من قسم الإعلام ـ شعبة صحافة ـ في جامعة الملك سعود بالرياض عام 2000م
مُهتم بالإسلاميات وبالفكر السياسي.
صدرت له خمسة كتب:
ـ (محاورات .. الإسلاميون وأسئلة النهضة المُعاقة) وصدر في العام 2006م عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
ـ (الإسلاميون.. سجال الهوية والنهضة) وصدر في العام 2008م عن المركز الثقافي العربي.
ـ (جداريات بيروتيّة ولوحات قاهريّة.. يوميات صحفي في أزمنة التحول) وصدر في العام 2008م عن دار وهج الحياة للنشر.
ـ (أشواق الحُريّة.. مقاربة للموقف السلفي من الديمقراطية) وصدر في العام 2009م عن المركز الثقافي العربي.
ـ (أوراق مغربيّة.. يوميات صحفي في الأمكنة القديمة)أمأ وصدر في العام 2010م عن دار وجوه للنشر.

قراءة في “الجزيرة تحت البحر”


فرغت بالأمس من قراءة رواية “الجزيرة تحت البحر” للكاتبة التشيلية المولد، الأميركية الجنسية، إيزابيل ألليندي (١٩٤٢) التي تبتديء بهذه العبارة:

الطبول تهزم الخوف، والطبول هي إرث أمي، إنها قوة غينيا التي في دمي. وعندئذ لا يجاريني أحد، أصير قوة خارقة

هذه الكلمات تجري على لسان بطلة الرواية، زاريتيه (تيتي)، العبدة التي باعتها وهي في التاسعة من عمرها مدام دوفان، في سان دومانغ، إلى عاهرة تدعى فيوليت والتي أرسلتها بدورها للعمل خادمة في بيت عشيقها الإقطاعي الفرنسي تولوز فالموران، المالك لواحدة أكبر مزارع قصب السكر في سان دومانغ.
وفي سان دومانغ كانت فرنسا تملك أغنى مستعمرة في العالم، حيث تُمارس أبشع أشكال العبودية في أميركا اللاتينية، فهناك كان يعيش أكثر من ٣٠ ألف شخص حر، ونصف مليون عبد أسود، وكان موت العبيد هو أسهل ما يمكن أن يحدث، لأن الاقطاعيين مزارعي القصب يستغلونهم أبشع استغلال حتى الموت، فإذا ما عاش العبد أربع أو خمس سنوات على الأكثر يكون قد حقق لسيده المردود المرجو.
الجزيرة تحت البحر هي غينيا الإفريقية، التي يحلم به العبيد وهم يرزحون تحت العذاب في المستعمرات، إنها ذلك الفردوس الذي تغادر إليه أرواحهم لتجد فيه السلام والطمأنينة بعد الوحشية البشعة التي عانوا منها طوال حياتهم. وهي الاستحضارالدائم، الذي جعل تلك الحياة المرة الأليمة محتملة لزاريتيه، بطلة هذه الرواية، إنها شابة عبدة من الكونغو تجعلنا نرى سان دومانغ منذ العام 1770 حتى العام 1793، قبل أن تتحول إلى هاييتي أو جمهورية الدومينيكان.
وعلى امتداد الرواية تنقضي أربعون سنة من حياة زاريتيه، تكشف خلالها ما مثله استغلال العبيد في الجزيرة في القرن الثامن عشر، وظروف حياتها ونضالها من أجل الحصول على الحرية.


وكسائر روايات الكاتبة الرائعة إيزابيل ألليندي، تأتي الرواية محتشدة بالكثير من الأحداث التاريخية، والكثير من التداولات الاجتماعية، وحوارات الذات، والحركة على مختلف المستويات النفسية، لذلك فمن يقرأ روايات هذه الكاتبة التشيلية المبدعة، يدرك دائما بأنه أمام أعمال تتجاوز بكثير الحكايات المتخيلة والمكتوبة دفقة واحدة، وأنها استندت إلى الكثير والعميق من العمل البحثي والتحضير الموسوعي لتجهيز موادها الخام.
تعد هذه الرواية تجسيداً حقيقياً لأسلوب الكاتبة الذى اكتسبته عبر عشرات الروايات وعلى مدار ثلاثين عاما من كتابة الرواية، الأمر الذى جعلها واحدة من أشهر الكاتبات باللغة الإسبانية حول العالم، وقد نالت شهرة واسعة بعد أن نشرت روايتها الأولى «منزل الأرواح» الذي نالت من خلاله شهرة واسعة، فضلاً عن صلة القرابة مع الزعيم التشيلي «سلفادور الليندي»، وللكاتبة العديد من المؤلفات مثل «أيفا لونا»، و«قصص ايفالونا»، و«لوحة السيبيا»، و«باولا»، و« في الحب والظلال»، وغيرها وترجم أغلبها إلى اللغة العربية.‏
بقي أن أشير إلى أن هذه الرواية الرائعة هي من ترجمة المترجم المتمكن دائما، الأستاذ صالح علماني، والذي هو من أبدع من قام بترجمة الأدب الإسباني إلى العربية.


‏ من الرواية نقرأ:

خلال سنوات عمري الأربعين، كنتُ أنا، زاريتيه سيديلا، محظوظة أكثر من عبدات أخريات. سأعيش طويلاً وستكون شيخوختي سعيدة لأن نجمي يُشع حتى عندما تكون السماء غائمة. أعرفُ متعة أن أكون مع الرجل الذي اختاره قلبي عندما توقظ يداه الكبيرتان بشرتي.

لقد أنجبتُ أربعة أبناء وحفيداً واحداً، وصار الأحياء منهم أحراراً. ذكراي الأولى عن السعادة تعود إلى الزمن الذي كنت فيه طفلة رضيعة معروقة العظم ومشعثة الشعر، وتتمثل في تمايلي على إيقاع الطبول، وهذه هي سعادتي الأحدث زمناً أيضاً، لأني ظللتُ في الليلة الماضية أرقص وأرقص في ساحة الكونغو بلا أفكار في رأسي، وجسدي اليوم حامٍ ومتعب.

الكتاب : الجزيرة تحت الماء- رواية. – المؤلف : ايزابيل الليندي. – ترجمة: صالح علماني- صادر عن دار – دال – دمشق في 479 صفحة.

استعانت هذه القراءة بالعديد من المصادر على شبكة الانترنت