الصحة المهنية

كثيرا ما يتم توجيه هذا السؤال لي، ما هو طب الصحة المهنية؟
والإجابة المباشرة على ذلك هي بالقول أن طب الصحة المهنية هو ذلك الفرع من الطب الذي يعنى بصحة الإنسان في مهنته، أي في بيئة عمله، كائنا ما كانت هذه البيئة.
وبيئات العمل متنوعة ومتعددة، ابتداء من بيئة العمل المكتبية الهادئة البعيدة عن المخاطر الصحية والمشاق المباشرة، مرورا ببيئات العمل في الأماكن المكشوفة بما فيها من مؤثرات صحية ومشاق، انتهاء ببيئات العمل الصعبة كتلك المحيطة بالصناعات الثقيلة والمنشآت الخطرة وما شابه. وكل واحدة من هذه البيئات المهنية لها مؤثراتها على صحة الإنسان، ولا شك.
ويحتوي مفهوم طب الصحة المهنية على محور أساسي آخر، محور رديف للمحور السابق الذي تناول مسألة التأثيرات الصحية لبيئة العمل على صحة الإنسان، وهذا المحور هو الحالة الصحية الراهنة للموظف أو العامل، سواء في لحظة انضمامه لهذه المهنة أو تلك، أو بعد فترة من الزمن من مزاولته إياها، وتأثير هذه الحالة الصحية، أو لنسميها بذات المصطلح المستخدم في طب الصحة المهنية والذي هو اللياقة الصحية، كنت أقول تأثير هذه اللياقة الصحية للموظف على قدرته على العمل بالكفاءة المطلوبة.
إذن فطب الصحة المهنية يعتني بالتأثيرات الصحية للمهنة على لياقة وصحة الموظف، وأيضاً يعتني بلباقة وصحة الموظف ومدى قدرته وكفاءته للقيام بواجبات وظيفته.
هذا هو التعريف والتفسير المباشر لطب الصحة المهنية، ولكن هذا المجال اليوم قد تشعب أكثر بكثير مما كان عليه قبل عقود من الزمن، وذلك بعد تعقد طبيعة الوظائف وأنماط العمل، ودخول الكثير من المؤثرات عليها. لهذا السبب فإن الصحة المهنية ترتبط ارتباطا وثيقا اليوم بالصحة النفسية للموظف، وقد أثبتت الدراسات بأن الكثير من الشكاوى الصحية من قبل الموظفين، كآلام الظهر والصداع واضطرابات الجهاز الهضمي لا تكشف الفحوصات عن وجود سبب عضوي كامن وراءها، وأن ما يسببها في الحقيقة هو اعتلال الصحة النفسية.
وكذلك يرتبط مفهوم الصحة المهنية، وبشكل مباشر بمعايير وإجراءات الأمن والسلامة في بيئة العمل والوظيفة، والعلاقة هنا واضحة ولا تحتاج إلى الشرح في تصوري.
ويرتبط مفهوم الصحة المهنية أيضا بما يروق لي أن أسميه بالصحة الإدارية، وهي ما أقصد بها امتلاك الموظف للدراية الكافية وحصوله على التدريب الملائم للأدوات والطرائق الإدارية الحديثة لتسيير عمله بشكل سليم، من خلال إدارة الوقت وترتيب الأولويات، ومعالجة الأزمات والعمل من خلال فرق العمل وإدارة الاجتماعات، وغير ذلك من الوسائل الإدارية المعروفة. الموظف الذي لا يمتلك هذه المهارات، سيواجه مشاكل كثيرة في عمله، وستزداد عليه الضغوطات والمصاعب، وسيجد نفسه عاجزا عن النجاح في عمله، مما يجعله عرضة لاعتلال صحته النفسية، ومن ثم اعتلال صحته المهنية في المحصلة.
وهذا المفهوم الشامل المتعدد المحاور هو ما يمثل تعريف طب الصحة المهنية في عالم اليوم السريع المتسارع.