السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة!

د. ساجد العبدلي

السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة!

بعد العشرات من تجاربي ومشاريعي الحياتية التي تراوحت ما بين النجاح الجيد والنجاح المتواضع والإخفاق بدرجاته حتى أدناها، تعلمت ألا ضمانات يقينية للنجاح في أي عمل في هذه الحياة، وأن قصارى الأمر أن يبذل الواحد منا منتهى جهده، وأن يقدم أفضل ما عنده تجاه عمله الذي يقوم به والمشروع الذي يسعى إلى تحقيقه، تاركاً ذلك كله في الأول والآخر في عهدة الأقدار، ليرى ما سيكون من تقدير الحكيم الخبير، ولو نظر الواحد منا قريباً حوله لرأى الكثير من الأمثلة التي تدل على هذا.

 

كثيراً ما تابعنا أناساً يقومون بأعمال متشابهة باذلين جهوداً متقاربة، لنرى بعضهم وقد ظفر بالنجاح وأخفق البعض الآخر، وقد نحك رأسنا مستغربين، لا غرابة أبداً؛ لأنه التوفيق يا سادتي، التوفيق الذي يقدره الله للإنسان في توقيت معين وعند مرحلة محددة من حياته لحكمة لا يعلمها سواه سبحانه، مهما حاول الإنسان أن يفسرها بعلمه ومعرفته البشرية المحدودة، وكلامي هذا لا يدعو أبداً للقعود عن السعي باعتبار أن الأمر قد حسمته الأقدار، بل هو على النقيض دعوة للاجتهاد والعمل والحركة إلى الأمام دوما وصولا إلى تلك اللحظة التي سيحل بها توفيق الله وبركته. أقول هذا مشدداً على أن من يقرر التكاسل أو القعود عن العمل والسعي قد اختار بملء إرادته أن يظل خارج معادلة تقسيم الأرزاق التي تحركها سنن الله الكونية، وقد قال عمر رضي الله عنه: “لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة”.

كثير منكم يعرف “دان براون” أو سمع على الأقل بروايته الشهيرة “شيفرة دافينشي”، الرواية التي باعت قرابة تسعين مليون نسخة بأكثر من 50 لغة حول العالم، ليصبح واحداً من أشهر الكتّاب على مَر التاريخ، حيث تقول المصادر إنه يحتل المركز السابع للكتّاب الأكثر انتشاراً على مر التاريخ، وإن دخله من بيع كتبه وكل ما يتعلق بالحقوق الفكرية لاستخدامها يصل إلى حدود الثمانين مليون دولار سنويا. دان براون ناجح، بل صارخ النجاح في مجاله ولا شك، لكن أغلب الناس قد لا تعرف أنه بدأ بدايات متواضعة جداً في حياته، وأن مشاريعه الحياتية ظلت تراوح ما بين درجات الإخفاق والنجاح المتواضع لسنوات طويلة. بدأ حياته المهنية في عام 1986 ملحناً ومؤلفاً ومغنياً لأغاني الأطفال، وظل بعدها يتنقل بين المشاريع والأفكار وصولاً إلى التفرغ لكتابة الرواية في عام 1998 بدءاً بروايته “الحصن الرقمي” التي لم تنل نجاحاً يذكر آنذاك، واستمر مكافحاً ليكتب بعدها “ملائكة وشياطين” و”نقطة الخديعة” في عامي 2000 و2001 على التوالي بلا نجاح مقنع أيضا، حيث لم تبع كتبه أكثر من بضعة آلاف من النسخ، وهو ما يعدّ رقماً متواضعاً جداً في العالم الغربي. في عام 2003، وبعد أكثر من 12 عاماً من الكفاح المتواصل بحثاً عن هويته وشغفه الحقيقي، وبعد خمس سنوات من الإصرار على هويته ككاتب رواية رغم الإخفاق، ابتسمت له الأقدار، فاحتلت روايته الجديدة “شيفرة دافينشي” أعلى قائمة صحيفة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعاً منذ الأيام الأولى لصدورها، منذ تلك اللحظة انطلق دان براون في عالم النجاح والشهرة كالصاروخ المندفع عمودياً إلى الأعلى، وارتفعت مبيعات كل كتبه واحتلت جميعها، بأثر رجعي، قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، وتم تحويل اثنين منها إلى أفلام حصدت نجاحاً باهراً بدورها، وصار الناس في مشارق الأرض ومغاربها يبحثون عن كتبه، وينتظرون بشوق ولهفة أي شيء من إنتاجه الجديد!

لم تكن رواية شيفرة دافينشي الأكثر تميزاً بين الروايات التي صدرت في وقتها بالضرورة، فهناك من يرى أن كثيراً غيرها أفضل منها، وربما لم تكن الأكثر تميزاً بين رواياته التي سبقتها، لكنه “التوفيق” حين يقدره الله للإنسان، يصعب تفسيره بالمقاييس البشرية، لكن، وعلى كل حال، يظل الأمر يرتبط في نهاية المطاف بـ”السعي”. على الواحد منا أن يسعى وأن يتحرك إلى الأمام دوماً باذلاً أفضل ما عنده، داعياً ربه، مؤمناً بحكمته، منتظراً بصبر لحظة التوفيق أن تحل.

0 تعليق

أضف تعليق