كيف تقهر عصر القلق؟!

عصرنا اليوم عصر الألف اسم واسم، هو عصر السرعة، وأعني السرعة في كل شيء،،، في العمل،،، في المكسب والخسارة،،، شركات ترتفع ومن ثم تهوي في لمح البصر، والسرعة في الحياة الاجتماعية، ناس ترتبط وتنفصل في غضون أيام معدودة، وهو عصر التقنية، التقنية في الخير وفي الشر، تقنية الكمبيوتر والإنترنت، لعمران الدنيا، وتقنية الأسلحة، لتخريبها، وهو عصر الإعلام الخارق، حيث لا حدود رغم آلاف الحدود ولا حواجز رغم آلاف الحواجز!

لكن جميع أسماء العصر وإن اختلفت وتنوعت تقود في النهاية إلى اسمه الجامع، عصر اليوم هو دون شك (عصر القلق النفسي)! وإن ظن البعض أنهم في معزل عن هذا فهم مخطئون، فالقلق النفسي بحسب التعريف الطبي هو تجاوب أو رد فعل من الجسم البشري مع أي تغيرات تحصل في البيئة من حوله (أو في داخله)، ومن المهم أن ندرك أن التغيرات التي تسبب القلق النفسي ليست مقصورة على السلبية منها كمصاعب العمل أو فقدان قريب أو حبيب، أو المشاكل الاجتماعية الأخرى، بل حتى التغيرات الإيجابية تسببه، فالترقية الوظيفية تسببه، والمسكن الجديد يسببه، والاستعداد للسفر، وغيرها،،، كل هذه التغيرات تشكل ضغطا كبيرا على نفس الإنسان حتى وإن لم يدرك ذلك، إنها جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان الذي يعيش في العصر الحديث.

هذا الفهم، هو المفتاح السحري للتعامل الناجح مع القلق النفسي، وهو الأسلوب الذي أعلمه الى مرضاي، من المهم أن ندرك أنه لا يمكن أن يتخلص الإنسان من القلق النفسي ما دام يعيش في هذا العصر، لأنه ومهما فعلنا سيستمر يطاردنا بأخبار الحروب والدمار عبر الصحف والتلفاز والإذاعة والإنترنت، كما أنه سيبقى مليئا بالتحديات في كل مكان، في العمل وفي البيت وحتى في الشارع بينهما! لذلك فلا مهرب للإنسان إلا بأن يقوي نفسه من الداخل ويعزز مناعتها، ويمكن أن يحصل له ذلك من خلال استراتيجيتين متلازمتين، الأولى تتمثل في أن يسعى لأن يفصل ما بين مصادر القلق، فلا يحمل معه ضغوطات العمل إلى البيت، أو العكس، ولا يسمح لأي من المصدرين بالاستيلاء على حقه في الحصول على قسط كاف من النوم، حياة الإنسان تنقسم إلى ثلاثة أثلاث، ثلث في العمل وثلث خارجه، في البيت وأنشطته الأخرى، وثلث في النوم، والتوازن مهم وحيوي بين هذه الأثلاث، وحينما يختل فسيصبح الإنسان مكشوفا أمام سياط الضغط النفسي، هذه الاستراتيجية ليست سهلة لكنها أيضا ليست بالمستحيلة ويمكنها أن تتحقق بالتمرين والممارسة، أما الاستراتيجية الثانية، فهي أن يجعل في ما بين تلك الأثلاث الثلاثة في حياته فترات يقضيها في أنشطة تدخل الراحة على نفسه، رياضة معينة، أو هواية ما، مهما بدت سخيفة للآخرين، ويمكن كذلك أن يقضي تلك الفترات في مجرد الاسترخاء التام والتأمل، وأعرف أن هذا قد يبدو غريبا بعض الشيء، لكنه مفيد دون أدنى شك، فالبحوث والتجارب أثبتت أنه يعيد إلى النفس الكثير من توازنها.

هذا المقال تم نشره سابقا في الصحافة الكويتية

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

Read more:
مميزات الإنسان الكاريزماتي!

إن الحصول على شخصية مميزة جاذبة، أو شخصية كاريزماتية كما يحلو للبعض أن يسميها، ليس بالأمر المستحيل حتى إن كان...

الكويت لا تختلف عن غيرها!

على عكس أغلبية من يتابعون المشهد السياسي حالياً، فأنا ممن يؤمنون إلى حد بعيد بأن احتدام المشهد بهذه الطريقة المكثفة...

Close