بائع القراطيس في فينيسيا

منذ أيام، وبينما كنت ورفيقي في السفر نمارس هواية “التوهان” في أزقة مدينة فينيسيا الضيقة، وهي هواية ممتعة، لا خوف منها فكل الطرق هناك تقود إلى ذات النقطة، توقفنا عند واجهة محل صغير يبيع الدفاتر والقراطيس والأقلام.
فاستوقفتنا الهيئة القديمة للمحل، وتلك الروح الأثرية التي كانت تلفه بهالة من الغموض، وكأنه ظهر هكذا فجأة في منتصف الزقاق بين المحال الأخرى قادما من عصر ليوناردو دافينشي ومايكل أنجلو!
دخلنا المحل فاستقبلنا البائع العجوز الأنيق، الذي كان يقف هو وزوجته، الأنيقة أيضا، في الداخل بابتسامة هادئة وبالتحية الإيطالية الشهيرة، “بونجورنو”، فرددنا عليهم البونجورنو بمثلها، ولو كنا نعرف أحسن منها ما ترددنا.
المحل كان صغيرا ضيقا، ويمتلئ بعشرات الدفاتر والكراسات المصنوعة يدويا، بأغلفتها المنوعة، الجلدية والورقية والقماشية، من مختلف الأحجام، لكنه كان أشبه بالمملكة لذلك العجوز الإيطالي “فيانيللو إيليو” هو وزوجته “كارلا”، كان عشقهما للمكان واضحا في تفاصيل عنايتهما به وترتيبهما للبضاعة في داخله.
كانا يتحركان في المكان الذي يحفظان أجزاءه بدقة وتلقائية، وكأنه قد صار امتدادا لجسديهما العجوزين، ولا عجب في ذلك ففيانيللو إيليو أخبرني أنه يعمل في هذه المهنة منذ الأزل، وأبعد مما تحيط به ذاكرته، حتى خيل لي أن روحه امتداد لأرواح العشرات من أسلافه ممن توارثوا المهنة أبا عن جد منذ لحظة اختراع الورق!
قررنا أن نشتري دفترا عشقناه من النظرة الأولى، فأحضره فيانيللو إليو من أعلى الرف، وانهمك يشرح لنا ويعدد مزاياه، وكيف أن غلافه الجلدي العتيق يزداد جودة كلما تقادم الزمن، وكيف أنه يمكن نزعه بعد امتلاء الدفتر ذي القراطيس الصفراء القديمة المصنوعة يدويا، ليمكن إلحافه دفترا جديدا آخر، وهكذا حتى يعمر معي طويلا.
كنت مأخوذا، ليس بجودة وجمال الدفتر فحسب، ولكن بأناة الرجل وسعة باله واستغراقه وهو يمسك الدفتر ويقلبه شارحا مواصفاته. كان مستغرقا وكأنه يمر بطقس تأملي روحاني صوفي غاب به عن الواقع، ويتحدث بعشق وهيام، حتى ظننته في لحظة سيقول إنه لا يقوى على بيع الدفتر لأنه يحبه جدا!
دفعت ثمن الدفتر، بعدما قام بتغليفه بذات الأناة والدقة وسعة البال، ووضعه في كيس قرطاسي عتيق، وودعنا هو وزوجته بابتسامة رائقة كتلك التي استقبلونا بها، ولم يفتني بالطبع قبل أن أغادر أن ألتقط معه صورة لأحتفظ بها للذكرى.
خرجنا من عنده، وأنا أتفكر وأقارنه بالآلاف من غيره، في هذه الدنيا، ممن يعملون في مهن ووظائف، لعلها أعلى شأنا وأكثر مردودا قطعا من مهنة هذا العجوز فيانيللو إليو، وكيف أن هؤلاء بالرغم من ذلك لم يصلوا إلى عُشرِ مقدار الرضا والسعادة التي تلف هذا الرجل هو وزوجته وهما يمارسان عملهما ويستغرقان فيه طوال النهار، وظللت أتأمل بحثا عن السر.
لكنني وجدت أن السبب ليس سرا في الحقيقة، بل هو مما يردده الناس طوال الوقت، وتتحدث عنه كتب التنمية البشرية والدورات دوما. إنه “الحب” يا سادتي، فالرجل أحب عمله، على بساطته، حتى الامتزاج، أحب عمله، ورضي بنتاجه وقنع بحصيلته، حتى صار عشقه الذي يجد سعادته في ممارسته، وهذا الأمر هو ذاته الكفيل بإسعاد كل إنسان على كل صعيد، أن يعرف الإنسان مبتغاه من هذه الحياة بوضوح، ثم يسعى إلى ذلك باذلا جهده الموضوعي المفترض، متسلحا في ذات الوقت بالقناعة والرضا لسير المقادير طالما أنه قد بذل جهده، فالله ليس بظلام للعبيد.
وقد خرجت في تلك الصبيحة الجميلة من محل فيانيللو إيليو وزوجته كارلا سعيدا جدا، بعدما اشتريت منه دفترا، وحكمة وعبرة… ومقالا.

 

 

تم نشر هذه المقالة في جريدة الجريدة بتاريخ 2 يوليو 2011م

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

Read more:
سنوات الجامعة.. ليتها تعود!

هذه مقالتي الأخيرة في مجلة أبواب الشبابية. بعنوان: سنوات الجامعة.. ليتها تعود!

شكرا تويتر، لا أخرس الله تغريدك!

في المرة الأولى التي قمت بها بالتسجيل في موقع تويتر، أعترف بأني لم أهضم الموضوع، ووجدت فكرة الموقع غبية جدا!...

Close