سؤال تغريدستان: رحلتك إلى الجزيرة النائية

طرحت في تويتر، وفي سلسلة أسئلة “تغريدستان” التي أصبحت اليوم شهيرة عند المغردين العرب، نظرا لما لاقته من تفاعل جميل، سؤالا بالأمس، قلت فيه: لو قيل لك أنك ستترك في جزيرة نائية، لمدة ثلاثة أيام، مع تأمين الماء والطعام والمأوى، فما هي الأشياء الثلاثة التي كنت ستأخذها معك؟

هذا السؤال لم يكن لعبة سخيفة، كما ظن البعض وغردوا بذلك، سامحهم الله، وإنما هو قائم على فكرة تنموية تطويرية، يراد من وراءها الوصول إلى أن يسلط كل واحد منا نورا كاشفا على نفسه، عله يستجلي من خلاله بعضا من ملامح شخصيته.

والبديع في الأمر، أن التفاعل مع السؤال كان كبيرا جدا، فالردود التي جاءتني حال تغريدي بالسؤال تجاوزت قدرتي على إحصائها ومتابعتها جميعا في نفس وقت ورودها.

بعد دقائق من ترك السؤال عند المتابعين وتفاعلهم معه، وقد كان هذا مقصودا، غردت مجددا متبعا بسؤال آخر، قلت من خلاله: لو منعت من أخذ أي وسيلة اتصال بالعالم الخارجي، فماذا ستأخذ معك؟ وعادت الإجابات الجميلة إلى الانهمار.

التحليل اللاحق، لن يكون تحليلا نفسيا بالمعنى الكامل لهذا المصطلح، فأنا لست من المتخصصين في هذا الجانب، ولكنه سيكون تحليلا تأمليا، يعطي الفرصة للقارئ أن يشاركني بأفكاره، ورؤيته، وأن يفكر هو بنفسه في معاني الدلالات، وأن يراها بالطريقة التي يعتقد أنها صحيحة. الأمر فيه سعة، وخاضع للاجتهاد، لكن المهم أن نتأمل في هذا الأمر الذي لعله لم يكن واردا في حسباننا في السابق، وأن نعكس ما نصل إليه من أفكار بعدها على أسلوب حياتنا، فلعلنا بحاجة لتغيير أو إصلاح أو تدعيم، جوانب ما فيها.

في السؤال الأول، جاء أكثر من 70% من إجابات المغردين رجالا ونساء، حاملا من ضمن الأشياء الثلاثة التي كانوا سيصحبونها معهم إلى تلك الجزيرة النائية، جهاز “الآيفون” أو “البلاك بيري”!

هذا الأمر، يعكس، بالنسبة لي على الأقل، حجم الارتباط الذي صار بيننا وبين أجهزة الهواتف الذكية التي تتصل بالعالم من حولنا. ولو ذهب الواحد منا اليوم إلى أي مكان عام، وأخذ بمراقبة الناس من حوله، وهي جالسة أو تسير أو تتحدث، لوجد شيئا شبيها بهذه النسبة، اي 70% منهم يتعاملون مع هواتفهم الذكية، وينشغلون إما بإرسال الرسائل القصيرة، أو المسنجر، أو الفيس بوك أو تويتر، أو ما شابه. صرنا اليوم أناس مشغولين طوال الوقت بالتواصل مع الآخرين في الفضاء الإلكتروني، على حساب تواصلنا مع الناس المحيطين بنا مباشرة، بل وعلى حساب تواصلنا مع أنفسنا، وهو ما أردته في السؤال. الجزيرة النائية، تمثل العزلة أو الخلوة مع النفس، وأظنه كان واضحا جدا، وبالرغم من ذلك فإن الغالبية الكبرى ممن أجابوا على السؤال، أرادوا اصطحاب “العالم” معهم!

هذا التواصل المستمر مع الآخرين البعيدين، على حساب القريبين، وعلى حساب النفس، لا يأتي دون ضريبته النفسية والاجتماعية، ودون تأثيراته على حياتنا ولا شك، واليوم صرنا نسمع عن بيوت بدأت تتزعزع العلاقات فيها، لانشغال الزوجين، أو الأبناء عن بعضهم البعض، بالتواصل مع “البعيدين” على حساب التواصل الحقيقي والمثمر مع أقراد الأسرة.

هذه الجزئية بالذات، تحتاج من كل واحد منا، ولا أستثني نفسي، أن يعيد مراجعة نظامه بخصوص “إدمانه” التواصل الاجتماعي “الإلكتروني”، وإعادة إحياء التواصل الاجتماعي “الحقيقي”، وقبل ذلك، إعادة التواصل مع الذات لبنائها وترميمها وتقويتها.

نسبة كبيرة أيضا، قررت أن تصطحب معها كتابا وبعضهم قال كتبا، بل وإن بعضهم قرر أنه لن يأخذ أي شيء غير الكتب. ولا أخفيكم أني سعيد بهذه النتيجة، فأنا من عشاق الكتب، وكنت سأصطحب كتبا معي لو ذهبت إلى تلك الجزيرة النائية.

القراءة بحد ذاتها خلوة بالنفس، وسياحة في ذات الوقت. يسيح القارئ من خلالها عبر عوالم الأفكار والتأملات في المكتوب. ولنتخيل سائحا منعزلا في جزيرة نائية، يجلس في ذلك الهدوء البديع، غارقا في التأمل في كتابه. مشهد عميق ولا شك.

وأهل القراءة الحقيقيون، يدركون أنهم ليسوا بحاجة للذهاب إلى الجزر النائية للتحصل على ساعات الخلوة مع كتبهم، لأنهم حين يقرؤون بشغف، ينعزلون في جزر نائية بأرواحهم وأفكارهم.

نسبة لا يستهان بها قررت اصطحاب مصحف وسجادة صلاة، أحدهما أو كلاهما. والحقيقة أن هذا يعكس شيئا مهما أيضا. نحن اليوم في هذا العالم المتسارع، العاج برنين وسائل الاتصال، والمشاغل الخاطفة، صرنا ننسى حاجتنا إلى التواصل الروحاني مع الله عز وجل، وصار الواحد منا، حتى في صلاته، مشغولا بالتفكير في العالم الخارجي، وفيما سيفعله من بعد أن يؤدي تلك الركعات المعدودة. صرنا نفتقر إلى الخشوع الحقيقي في الصلاة، وتمر الأيام بل والشهور الطويلة على بعضنا دون أن يمس مصحفا أو يقرأ شيئا من القرآن. والسؤال هنا، هل صار الواحد منا بحاجة إلى الذهاب إلى جزيرة نائية ليتذكر اصطحاب سجادة الصلاة والمصحف؟

وبالطبع، فلا شك بأن البعض قد قرر اصطحاب سجادة الصلاة، والمصحف لأنه يرى أن تلك اللحظات ستكون لحظات رائعة لاعتكاف استثنائي، وهو أمر رائع فعلا، ولكن ماذا لو جعلنا هذا الأمر جزءا من حياتنا اليومية. لسنا بحاجة دائمة لممارسة الاعتكاف الطويل أو العزلة الخاصة للتعبد، بل إن مجرد استعادة الخشوع في الصلاة، وقراءة ورد دائم من القرآن بين وقت وآخر، سيجعلنا نلمس آثار كبيرة على صعيد استعادة التوازن النفسي لكل واحد وواحدة منا مع مرور الوقت.

بعض من أجابوا قالوا بأنهم سيصطحبون معهم أقلاما وأوراقا، وهؤلاء، في ظني، هم من يعتقدون أن في داخلهم شيئا سيفيض كتابة في تلك العزلة. ومنذ مدة غردت في تويتر أن قرابة الثمانين بالمائة من الناس يعتقدون أن في داخلهم كتابا ينتظر أن يخرج. ومن يدري، فلعل هناك من هؤلاء من في داخله كتابا فعلا، ويحتاج فقط إلى تلك الشرارة للانطلاق بالكتابة، وحينها سيجد نفسه عاجزا عن التوقف عن الكتابة، ومنطلقا بلا هوادة، حتى ينتهي!

نصيحتي لمن يشعر بأنه يجد نفسه في الكتابة، أن لا ينتظر الرحلة إلى الجزيرة النائية، وأن يبدأ الآن. اكتب واكتب واكتب بلا توقف. أغلب العظماء، من الأدباء والكتاب والعلماء، كانوا يحملون معهم دوما دفاتر يكتبون فيها كل ما يطرأ على بالهم من أفكار، أينما كانوا، فليكن للواحد منا دفترا يحمله معه أينما كان. وبالمناسبة فأنا من هؤلاء الذين يحملون معهم دفترا أينما ذهبوا!

نسبة من المغردين قررت اصطحاب كاميرا، وأنا من هؤلاء، فالتقاط صور المناظر الجميلة، مع تخيل أنها ستكون متوفرة في الجزيرة النائية سيكون شيئا ممتعا.

اليوم، صار كل واحد منا يحمل كاميرا في جيبه، مدمجة في جهاز هاتفه النقال، بل إن بعضا من الهواتف النقالة، صارت بها كاميرات عالية الدقة ومتطورة جدا، لذلك فالكل يلتقط صورا جيدة جدا طوال الوقت، وما عاد الأمر مقصورا على أحد، أو محصورا بنوعية أو فئة من الناس. لكن تبقى عيان الفنان هي القادرة على رؤية المشهد الجميل، وتمييزه عن غيره. في الجزيرة النائية كل ما سيكون هناك سيكون جميلا وصالحا للتصوير، ولكن يا ترى أين نستطيع أن نجد المشاهد الجميلة في حياتنا ومن حولنا؟ لو سألت الواحد منكم الآن أن يعدد لي بعض المشاهد التي يعرفها ويحفظها في ذاكرته لعالمه الذي يعيش فيه يوميا، ويرى أنها تستحق التصوير. فليسأل كل واحد منكم نفسه عن ذلك الآن. وليذهب بعدها للاستمتاع بجمال ذلك المشهد، فالحياة من حولنا “حلوة”.

من الأمور التي قرأتها مرة عن مسألة التصوير، أن أغلب هواة التصوير يستغرقون في التقاط الصور، لكل شيء أمامهم، ويفوتهم الاستغراق للاستمتاع بالمشهد الحقيقي، بل إن بعضهم لا يتأمله بتعمق إلا من خلال الصورة التي يلتقطها بعدما يقوم بتظهيرها لاحقا. هذا الأمر ينطبق على كثير من أمور حياتنا المتسارعة مؤخرا. نكتشف أننا لم ننتبه لجمال اللحظات التي عشناها إلا بعد فوات الأوان، وأننا نحاول بعدها أن نستحضرها من الذاكرة بعدما فاتتنا في الواقع. انتبهوا للحياة وهي تمر من بين أياديكم. انتبهوا لأطفالكم وهم يكبرون. انتبهوا لأحبتكم وهم يمرون ويرحلون دون انتباهكم.

قلة من المغردين/المغردات قرروا أن يذهبوا دون شيء، وهؤلاء إن أرادوا بهذه الإجابة أنهم في العزلة سيكونون قادرين على الانشغال بأنفسهم وما حولهم من طبيعة، إلى حد الاكتفاء النفسي والروحي، فهذا معنى عميق ورؤية سامية حقا.

نحن جميعا بحاجة إلى التأمل أكثر في كل شيء من حولنا، وإعادة اكتشاف معانيه ودلالاته. منى كانت آخر مرة نظرت فيها بتعمق إلى البحر، وتفكرت في حركة أمواجه، وصوت هديره، وطبيعة لونه، ومكنونات أعماقه؟ متى كانت آخر مرة نظرت إلى اتساع السماء وتفحصت أبعادها وتفكرت في عظمتها؟ متى كانت آخر مرة، مددت نظرك إلى الأفق البعيد؟ متى كانت آخر مرة، نظرت في أعمق أعماق ذاتك، وأخرجت مكنونات نفسك، وفرشتها أمامك وراجعت نفسك؟

نحن بحاجة يا سيداتي وسادتي إلى العزلة، نحن بحاجة إلى الخلوة. نحن بحاجة إلى البقاء مع أنفسنا وأفكارنا وما يحيك في صدرونا. نحن بحاجة إلى الانكشاف على أنفسنا بصدق وصراحة، فهل ترانا نفعل ذلك، دون انتظار الرحلة إلى تلك الجزيرة؟!

 

والآن إلى الإجابات الظريفة:

كان هناك حرصا استثنائيا من كثير من المغردات على، الكريمات المرطبة، والصابون، وفرش الأسنان، ومعقم اليدين، وأدوات النظافة الشخصية، وأيضا المرآة… لتكتمل أدوات الزينة. وبعضهن حرصن على اصطحاب كل حقيبة الملابس، والنظارات الشمسية!

كان هناك حرصا من بعض المغردين على حمل سلاح! عصا أو بندقية! (ويبدو أن الشباب متأثرين برواية روبنسون كروزو أو مسلسل Lost)!

بعض المغردين/المغردات أجابوا بأنهم سيصطحبون جهاز الآيباد، باعتبار أنه يحوي كل شيء: مصحف، كتب، وموسيقى، ووسيلة للكتابة، وبرامج ألعاب، الخ. وهذا تفكير عملي، وإن كان يخلو من الرومانسية التي تتوافق مع الجزيرة النائية!

بعض من أجابوا أصروا على معرفة وجود مصدر للكهرباء هناك أو لا… طبعا أنا لم أتجاوب مع هذه الأسئلة، لأنه لا توجد جزيرة أصلا! لكن هذه الجزئية بالذات تستحق التوقف، ففيها فكرة أيضا.

منذ سنوات قرأت قصة، أظنها أسطورية، تقول أن الاسكندر أعطى قادة جيشة بيضة، وطلب منهم أن يضعوها على الأرض بحيث تنتصب على طرفها المدبب، لا أن تنام على جنبها. فحاولوا بشتى الطرق حتى أعلنوا فشلهم أمامه. حينها أمسكها هو وضربها على الأرض فتهشم طرفها المدبب، وأصبح مسطحا بعض الشيء، فاستطاع أن يوقفها على ذلك الشكل. حينها صاح القادة بأنهم لم يكونوا يعلمون أنه يصح فعل هذا، فقال لهم الاسكندر، ولماذا افترضتم أساسا أنه لا يصح هذا؟!

والإنسان كذلك في حياته. يمتنع عن القيام بأشياء، أو اتخاذ خطوات، أو الاقدام على أمور ما في حياته، مفترضا بأنه لا يصح ولا يجوز ولا ينبغي القيام بها، في حين أن هذه الافتراضات كلها من خيالاته واختلاقات عقله، وليس لها أساس من الصحة. فانظروا في حياتكم. كم هي الأمور التي توقفتم عن الاقدام عليها، ظنا منكم أنه لا يصح ولا يجوز ولا يجب، في حين أنها عكس ذلك؟!

والآن سأجيب عن سؤال وجود مصدر الكهرباء. وبما أن الجزيرة من خيالاتي، فسوف أقول بأن بها “فيشات” كهرباء مغروسة في الأشجار أينما ذهبتم، فلا تقلقوا!

البعض حرص على أخذ مخدته وفراشه ولحافه الخاص، والبعض حرص على اصطحاب حصان، أو كلب، أو حتى سيارة جيب، دفع رباعي!

أحد المغردين حرص على أخذ بيجامة النوم.. آخر روقان!

مغرد ومغردة، حرصوا على عدة الغوص… يا للجمال!

هذا كان أبرز ما حصرته من الردود الجميلة، فشكرا لكم جميعا على تفاعلكم مع فكرتي، وأرجو أن أكون من خلال هذه التدوينة، الطويلة نسبيا، أني لم أخيب أمل البعض في أن يجد تحليلا نفسيا خاصا به شخصيا، لكنني أرجو أن أكون قد وفقت في جعل كل واحد منا يعيد النظر إلى أفكاره ونفسه.

تمنياتي لكم برحلات سعيدة إلى أعماق أنفسكم، في جزركم النائية البعيدة..

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

Read more:
كم من قطة مربوطة في حياتنا؟

تروي الكاتبة الأميركية إليزابيث جيلبرت، في روايتها الشهيرة "صلاة.. طعام.. حب"، وهي الرواية التي صدرت في العام 2006، ومن ثم...

واعظ وبيده رشاش

شاهدت منذ أيام فيلماً غريباً بعض الشيء، اسمه (Machine Gun Preacher)، وسأترجمه إلى "واعظ وبيده رشاش"، وقد كنت ظننته في...

Close