ساعدوني كي أنام لا توجد قاعدة ثابتة لمسألة النوم عند الإنسان، فهي مرتبطة بالعديد من العوامل والمعايير الشخصية

m_id_401088_kids_sleep

سؤال يكثر تداوله، كم ساعة من النوم يحتاج الإنسان البالغ لكي يقال بأنه حصل على كفايته من الراحة؟! سأحاول من خلال السطور القادمة أن أجيب على هذا السؤال الذي قد يبدو سهلا للوهلة الأولى.

بالرغم من أن العلم لم يكشف حتى الآن وعلى وجه الدقة لماذا ينام الإنسان، إلا أنه تعرف وبعمق على ما يحصل للجسم البشري عند حرمانه من النوم، وتعرف على كثير مما يحصل لأجهزته المختلفة في حالة النوم. بشكل مبسط نستطيع القول بأن النوم يعيد للإنسان نشاطه الجسدي والعقلي الذي يساعده على العودة إلى العمل والتفكير مرة أخرى بكفاءة عالية. ومن النظريات العلمية المقترحة في هذا الصدد أن النوم يساعد على “إعادة شحن” الجهاز العصبي ومعايرة الكيمياء العصبية من جديد إلى المستويات الطبيعية. كما كشفت الدراسات أن الإنسان وعندما يحرم من النوم يبدأ بالمعاناة من اختلال ذاكرته وقدرته على التركيز الذهني، فيواجه صعوبة في استرجاع الأسماء والكلمات، والاحتفاظ بتركيزه. كما يبدأ مزاجه وحالته النفسية في الاضطراب مما ينعكس سلبا على أداءه. وفي حالات الحرمان الشديد من النوم، تثبت البحوث أنه من الممكن أن يصل الأمر إلى حد الوفاة، كما أظهرت ذلك التجارب على الجرذان التي كانت تموت بسبب انهيار جهاز المناعة عندها. وتبين كذلك أن كثيرا من الهرمونات، كهرمون النمو مثلا، ينشط ضخها في الجسم أثناء النوم، ومن الأدلة على ذلك أن الأطفال الذين عانوا من اضطرابات أو الحرمان من النوم يعانون في كثير من الأحيان من تعثر في النمو.

تقول المعلومة الدارجة بين الناس بأن الإنسان البالغ يحتاج إلى ما مقداره ثماني ساعات من النوم، لكن هذا الرقم غير صحيح على إطلاقه، فالإجابة الصحيحة تختلف من شخص بالغ إلى آخر، لأن هناك من تكفيه سبع ساعات، وربما أقل، وهناك من يحتاج إلى تسع ساعات، وربما أكثر.  ولهذا يمكن القول بأن مسألة عدد الساعات التي يحتاجها الإنسان البالغ من النوم مرتبطة بالعديد من العوامل كمقدار الجهد المبذول خلال ساعات النهار ومقدار الصحة الجسمانية بصورة عامة وأيضا بالطبيعة البشرية، فهناك من اعتادوا على السهر والنوم القليل وهناك من اعتادوا على النوم الطويل وعدم القدرة على السهر،  وكون المرء ينتمي إلى هؤلاء أو هؤلاء لا يعني تلقائيا أنه يعاني من مرض أو اعتلال في نومه.

ومن المهم أيضا عند الحديث عن النوم التفريق بين مصطلحي (الإرهاق) و(النعاس). فالإرهاق ينتج عن قيام الشخص ببذل مجهود عضلي أو عقلي، مما يجعله يشعر بالتعب، ولكن ليس بالضرورة شعوره بالنعاس. ولجوء كثير من الناس إلى النوم بعد شعورهم بالإرهاق  راجع إلى كون النوم يجعلهم في معزل عن المؤثرات الخارجية مما  يساعدهم على استعادة نشاطهم بسرعة. أما النعاس من الجانب الآخر، فهو الشعور بالحاجة للنوم، حتى وإن لم يكن المرء قد بذل مجهودا عضليا أو عقليا، فالإنسان وبعد بقاءه مستيقظا لساعات معينة يبدأ بالإحساس بالحاجة إلى النوم، حتى وإن لم يكن يعاني من إرهاق جسماني أو عقلي.

ويشيع بين الناس كذلك أن الإنسان يحتاج إلى ساعات أطول من النوم مع تقادم عمره، والحقيقة أن الإنسان لا يحتاج إلى ذلك بصورة عامة، ما لم تطرأ تغيرات في صحته أو في طبيعة عمله ومقدار المجهود الذي يبذله. لذلك فإن كان الإنسان يكتفي بسبع ساعات من النوم عندما كان شابا فإنه لن يحتاج أكثر من ذلك وهو كبير في السن.

لكن من المهم أن نشير إلى أن الحصول على عدد كاف من ساعات النوم أمر مهم للإنسان على مختلف الأصعدة، سواء الجسمانية أو العقلية، أو حتى الاجتماعية، فاضطراب النوم يؤدي إلى اعتلالات كثيرة تزيد من التوتر النفسي والقلق وبالتالي ستؤدي إلى خلل في النشاط الاجتماعي للمرء مما قد يدخله في مشاكل في العمل أو في حياته الزوجية أو مع بقية المحيطين به.

لهذا كله، يمكن أن نخلص إلى القول بأنه لا توجد قاعدة ثابتة لمسألة النوم عند الإنسان، وأنها مرتبطة بالعديد من العوامل والمعايير الشخصية. وعليه فإن كل شخص بنفسه هو الأقدر على تحديد ما إذا كان يعاني من مشكلة في النوم، وذلك من خلال تلمسه لمدى نشاطه وقدرته على التركيز الذهني بعد الاستيقاظ، وغيرها من الأمور.

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.