شوبزة العمل الدعوي والخيري 

أعلم أن الحديث النبوي يقول إن الدال على الخير كفاعله، وأستطيع لذلك أن أفهم ذلك الجهد الكبير المتزايد لإنتاج عشرات بل ربما مئات الإعلاميات التي تدور حول العمل الدعوي والخيري وبثها، مدركا أن هذا الحرص الكبير راجع في المقام الأول إلى رغبة القائمين على هذه الأعمال في دعوة الناس وحثهم على المشاركة في دعمها. أحسبهم كذلك والله حسيبهم.

لكنني أنظر، في ذات الوقت، بكثير من القلق إلى إغراق أغلب هذه الإعلاميات في الحالة الاستعراضية أو ما يحلو لي أن أسميه حالة “الشوبزة”. “شوبزة” العمل الدعوي والخيري، وللتوضيح فقد قمت بنحت هذه اللفظة، “الشوبزة”، من مصطلح إنكليزي شهير هو “شوبيز” والذي يقصد به كل أشكال أعمال صناعة الترفيه والاستعراض عبر وسائل الإعلام، بما فيها الأفلام والمسلسلات والبرامج بأنواعها والعروض المسرحية وغيرها.

حينما ذهبت شخصياً منذ مدة ليست ببعيدة في الرحلة الإغاثية إلى جيبوتي، كنت أتردد عند مسألة الوقوف أمام الكاميرا حينما يطلب مني ذلك، خصوصاً أثناء قيامي بأي من الأنشطة الإغاثية، لخوفي أن أخرج بذلك من دائرة العفوية والإخلاص لأدخل في دائرة التمثيل والاستعراض، وهو ما كنت أراه يتعارض مع المصداقية في العمل، وصولا إلى حد الرياء ربما!

لست هنا في معرض انتقاد أي شخص ممن شاركوا ويشاركون في هذه الأنشطة بل للجميع كل التقدير، لكن الأمر هو أني لا أرتاح كثيراً حين أجد انجرافاً كبيراً في تغطية ونشر كل تفاصيل ودقائق تلك الأنشطة والرحلات، حيث لا يكاد بعض من يشارك في تلك الأنشطة يربّت على رأس يتيم حتى يواكب الأمر صورة تنشر في “تويتر” و”إنستغرام”، ولا يكاد يعطي فقيراً كسرة خبز حتى يتأكد أن الكاميرا قد قامت بتوثيق اللحظة، ولا يكاد يحمل صندوقا إغاثيا إلى مخيم حتى ينادي الكاميرا لتشهد الحدث، بل رأيت من يذهب إلى أكثر من ذلك فيقوم بتقبيل واحتضان الأطفال واللعب معهم، بدعوى التخفيف والتسرية عنهم، مع الحرص على أن يكون ذلك تحت نظر عدسة كاميرا الفيديو الدائرة!

يحضرني مثال آخر قد يراه البعض بعيدا بعض الشيء، لكن سأسوقه لتقريب وجهة النظر: منذ فترة وفي برنامج ديني لإحدى الفضائيات، قام أحد الدعاة المشهورين بالذهاب إلى شارع سيئ السمعة في بلد من البلدان العربية وأخذ ينادي تحت شبابيك بائعات المتعة الحرام حتى إذا أطلت الواحدة منهن أخذ يدعوها إلى التوبة والابتعاد عن الفاحشة، وكل ذلك تحت عين عدسة كاميرا الفيديو الدائرة. غني عن القول إن ذلك العمل لم يكن من الدعوة “الحقيقية” في شيء، بل قصاراه أنه كان عملا استعراضيا “شوبيز” لأجل زيادة معدلات مشاهدة البرنامج الفضائي!

مرة أخرى سأكرر بأني أدرك جيداً أن للصورة والفيديو تأثيراً كبيراً في نفس المشاهد وأنها قد تكون دافعا للتعاطف والاقتناع والدعم، وهو الأمر الذي لمسته بنفسي بعد انتشار الفيديو التوثيقي الذي أنجزه ونشره الصديق عبدالرحمن التركيت حول رحلتنا في جيبوتي، ولكنني سأظل لا أشعر بالراحة تجاه الاستعراضية الشديدة و”الشوبزة” الزائدة على الحد أثناء عمل أي من المواد الإعلامية الخاصة بالأنشطة الدعوية والخيرية لأنها ليست بحاجة لهذه المغالاة كي تصل إلى قلوب الناس وعقولهم، بل على العكس من ذلك لعلها تشرخ مصداقيتها وتجرح إخلاصها!

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.