أوريكا.. أوريكا!

ArchBathNBC3

لطالما كررت في أكثر من مكان أنني لا أثق بكاتب لا يقرأ كثيراً، فأنا من المؤمنين جداً أن الكتابة الجيدة لا تكون إلا نتاجا لقراءة جيدة، وأعني بالقراءة الجيدة القراءة العميقة المتأملة المتفكرة، لا القراءة السطحية العجلى كقراءة المرء للصحف والمجلات، أو القراءة السريعة البليدة التي فرضتها على الناس شبكات التواصل الاجتماعي، تلكم الشبكات التي أعطت البسطاء شعوراً خادعاً بالمعرفة والثقافة!
كي تستطيع الكتابة وإنتاج شيء مميز لا بد أن تقرأ مادة قيمة، مادة عميقة، مادة تعصف بخلايا مخك عصفاً، وتجعل لسان حالك يصرخ كما صرخ أرخميدس يوم اكتشف قانون الطفو: أوريكا… أوريكا، أي وجدتها وجدتها!
كنت متوعكا خلال الأسبوع الماضي فلم أكتب إلا مقالاً واحداً، ولكن الحقيقة أن ما منعني من الكتابة لم يكن هذا أساسا، فلطالما كتبت وأنا في حالات مرض وتعب جسدي أشد. ما منعني حقا هو أني لم أكن أجد فكرة تثيرني إلى حد السقوط في غواية الكتابة عنها. نعم، كانت تغازلني أفكار كثيرة، سواء من قراءاتي أو مشاهداتي، ولكنها كانت تتساقط تباعا كلما حطت على الميزان، كانت تبهت أمام ناظري في حال عرضها على الضوء والتمعن في تفاصيلها.
بعد سنوات طويلة من ممارسة الكتابة الصحافية ما عاد يهمني أن أعلن رأيي في كل شأن وقضية، ولم أعد أشعر بإلحاح أن يكون لي قولة في كل ما يتنازع القوم حوله أو يعصف بالساحة، بل صار شاغلي في المقام الأول وبعدما أجد شيئا يستحق الحديث عنه أصلا أن أقول شيئا مختلفا جديداً يضيف قيمة حقيقية لما هو مطروح، ويشعرني بالرضا عن نفسي لأني رأيت فيه شيئا مختلفا، أو نظرت للأمر المعتاد من زاوية جديدة، فكشفت عن وجه فريد من وجوهه.
إن قيام الكاتب بتكرار ما قيل واجترار ما كُتب دون إضافة ذات قيمة ليس سوى طرح لركام جديد على الركام المطروح على طول صفحات الجرائد وعرضها!
كنت مستغرقا في الأيام الماضية بالقراءة، قرأت في موضوعات شتى من فنون متنوعة، فكنت كالظمآن الذي وجد ماء بعد طول عطش، لكنني وعلى الرغم من ذلك فإنني ما زلت وسأظل أقرأ وأستزيد انتظارا لفكرة مختلفة علها تكون شرارة لنتاج مكتوب مختلف.
أقول دوما، ليست العبرة في “كم نقرأ” ولكن في “ماذا نقرأ”، وكذلك سأقول اليوم ليست العبرة في “كم نكتب” إنما في “ماذا نكتب”!

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

Read more:
وصفة «سريعة» للتغلب على السرعة!

وتيرة الحياة اليوم، مع هذه التطورات التقنية الأخاذة، قد صارت مبرمجة على أن تحمل الإنسان للاندفاع بأقصى سرعة. كل شيء...

حياتك دوائر!

سيبقى هذا العصر، الذي يستحق بجدارة أن نطلق عليه "عصر التوتر والقلق"، مليئاً بالتحديات في كل مكان، في العمل والبيت...

Close