هل أنت من الأغنياء؟

كلما تقدمت بي تجارب الحياة ومضت بي السنوات آمنت أكثر بأن لا شيْ في هذه الدنيا يعدل الصديق. وعندما أستخدم كلمة “الصديق” هكذا لوحدها مجردة فأنا أقصد بها بأن ذلك الشخص المقصود إما أن يكون صديقا أو لا يكون، فلا يوجد شيء اسمه صديق حقيقي وآخر غير حقيقي مثلا، لأن الصديق إما أن يكون حقيقيا وإلا فإنه ليس بصديق من الأساس. كما أنه لا توجد مراتب للصداقة، فالصداقة مرتبة واحدة، ولا يوجد صديق مقرب وصديق أبعد قليلا وصديق بعيد. الصديق إما أن يكون لصيق النفس والروح أو لا يكون صديقا أبداً. نعم، هناك مراتب للرفاق وللمعارف وللزملاء، ولكن ليس هناك مراتب للصداقة أبدا. الصداقة مرتبة واحدة ناصعة البياض فاقع لونها تسر الناظرين!

وقد أدركت اليوم أهمية الصديق بعدما مررت بعشرات بل مئات التجارب الانسانية، فلمست عميقا بأن الانسان مهما تمتع بالرجاحة العقلية وبالصحة النفسية يظل محتاجا إلى عقل آخر يكون امتدادا لعقله فيستند إليه، وإلى نفس أخرى تعانق نفسه فتشد من أزره، وإلى كتف يرمي عليه برأسه المتعب إن هي أطبقت عليه الأفكار وإلى صدر يلقي فيه بنفسه حين تجتاحه الهموم.

صديقك، يا عزيزي، هو أنت الآخر، أو كما قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: “هو أنت إلا أنه سوى نفسك”. صديقك هو مرآتك الصادقة التي تستطيع أن ترى بها نفسك على حقيقتها بلا زيف ولا تزويق، وكما قال القائل: “صديق المرء هو شريكه في عقله”، لذلك فصديقك هو ضميرك الحي وصوت عقلك الراجح الذي يتجرد من أهواء العاطفة وتقلبات الشعور، ولكنه في ذات الوقت لا يحرمك لمسته الحانية في أقسى حالات ضعفك وانكسارك وفي أشد خضم لانفعالاتك وفي أعمق دوامات أخطائك. هو ذلك الكتف المرسى الذي تقصده سفينتك في كل وقت من نهار أو ليل بلا تردد ولا حرج ولا خوف من ملامة أو من حكم مسبق. هو ذلك الصدر الملجأ الذي تطرح عليه عنك مؤونة التحفظ والكبرياء وتطلق سراح دمعتك. صديقك هو ذاك الذي يفهمك ويعذرك في كل الظروف، وحتى ان اختلف معك فهو لا يتخلى عنك. صديقك، كما قال جبران: “هو كفاية حاجاتك. هو حقك الذي تزرعه بالمحبة و تحصده بالشكر. هو مائدتك و موقدك”.

وهذا الكائن الرائع العجيب، يا سادتي، ومهما قد تكون بدت في نظركم صفاته مغرقة في الخيال أو ربما الاستحالة، موجود في الحقيقة، بل وربما أسهل مما يمكن أن نتصور، لأنه وبكل بساطة ضرورة من ضرورات الحياة التي لا تستقيم من دونها.

والغني حقا هو الغني بأصدقائه، فهل أنت من الأغنياء؟

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

Read more:
مرة أخرى.. إعلام المستقبل هو إعلام الفرد (حادثة الجويهل مثالا)!

في مايو الماضي، كتبت هنا تدوينة سريعة بعنوان "إعلام الفرد.. إعلام المستقبل"، كنت قلت من خلالها، بأننا على أعتاب عصر...

تعديل المادة الثانية من الدستور مجدداً!

أدرك تماماً مدى جمال وبريق فكرة تعديل المادة الثانية من الدستور لدى الإسلاميين، بحيث تصبح الشريعة “المصدر الرئيسي للتشريع” بدلاً...

Close