نظرة غير نفطية إلى المستقبل!

صورة من جوجلهذه مقالة كنت كتبتها منذ ثمانية أعوام، ووجدتها وأنا أقلب ملفاتي القديمة، فإذا بها تتحدث عن حدث لا يزال حيا نابضا، وما أشبه الليلة بالبارحة!

كلما رأيت ذلك الارتفاع المسعور في أسعار النفط، ألح سؤال في عقلي… وماذا بعد؟ التفكير المباشر، ولن أقول الساذج، لإجابة هذا السؤال يقود إلى استنتاج بسيط: السعر يرتفع، وقد اخترق حاجز الخمسين دولارا (اليوم تجاوز السعر المئة دولار)، والاضطرابات السياسية في العالم تقوده إلى مستويات أعلى وقد يصل إلى الستين دولارا في أية لحظة… وعليه فالدول المصدرة للنفط ستزداد غنى وستربح أكثر!

أليس هذا هو التفكير المباشر؟

صحيح… لكن الأمور أعقد من ذلك بمراحل، وللعملة وجه آخر لا بد من النظر إليه. ومن الغباء بمكان أن يعتقد أحد أن الدول الصناعية، وخصوصا الكبرى منها والتي تعتمد وبشكل كبير على النفط المستورد من الخارج، ستقف مكتوفة الأيدي حيال ما يحصل.

منذ أيام سمعت أحدهم يقول بأنه لا يستبعد بأن عملاقا مثل الصين (والتي تستورد قرابة 60% من احتياجاتها النفطية من دول الخليج العربي) سيثور مما يحصل من ارتفاع مسعور في أسعار النفط، وربما يجن جنونه فيقرر بأن يأتي لأخذ النفط عنوة! لعل هذا التفكير خيالي ودموي بعض الشيء، ولن أقول به (وإن رأينا في السنوات الأخيرة أحداث لطالما اعتبرناها خيالية ومستبعدة جدا)، لكن التفكير المنطقي سيقودني حتما إلى الجزم بأن الصين، وكل الدول الصناعية الكبرى، غارقة في التفكير في انعكاس ارتفاع أسعار النفط عليها، وأنها تبحث عن حلول!

لنفكر سويا… ما الحلول الممكنة أمام الصين؟ مثلا، أن ينخفض السعر إلى تحت مستوى الخمسة والعشرين دولارا؟ لكن هل هذا متاح؟ أستبعد ذلك… ماذا أيضا، أن يجدوا بدائل أرخص من النفط لإنتاج الطاقة؟ ربما، لكن سيحتاج هذا إلى وقت… (صدقوني لن يكون هذا الوقت طويلا جدا وسنعود إلى هذه الفكرة بعد قليل)!

ما الحل إذن؟ أن يواكب ارتفاع أسعار النفط ارتفاعا في أسعار المنتجات الصينية… حل منطقي، أليس كذلك؟ لكن هناك مشكلة… سينعكس هذا على غلاء عالمي في أسعار كثير من المواد (لنتذكر هنا أن الصين تنتج أكثر من 70% من المواد التي تدخل في تصنيع أجهزة الكمبيوتر النقال، وهذا مثال واحد من آلاف الأمثلة).

إذن فمن الواضح أن الدول المنتجة للنفط والسعيدة بارتفاع أسعاره وبالأرباح الخيالية التي تجنيها في هذه الأيام لن تبقى كذلك… ولن تضحك أخيرا كما يقولون!

لنسقط الكلام السابق على الكويت… فمصدر الدخل القومي الوحيد للكويت هو النفط تقريبا، وما كانت لتكون من الدول الغنية لولاه… إذن وباستخدام المنطق،مرة أخرى، فإنه إن تعرضت صناعة النفط للخطر، فسيدخل الوضع الاقتصادي الكويتي وفي غضون سنوات معدودة في نفق مظلم للغاية!

لكن كيف يمكن أن يحصل ذلك… للإجابة على هذا السؤال سآخذكم الآن إلى الفكرة التي وعدتكم بها قبل سطور… تشير أكثر الدراسات المتخصصة تفاؤلا إلى أن الاعتماد على النفط كمصدر للطاقة سيبدأ في التقلص في السنوات القادمة لصالح مصادر طاقة أقل تكلفة، وأنه وعلى أبعد تقدير خلال مائة عام، لن يكون هناك أي طلب على النفط أبدا. لكن الغريب المؤسف في المسألة هو أن الدول المعتمدة كليا على بيع النفط (مثل الكويت)، تتعامى عن هذه الدراسات، وتهتم أكثر بتلك التي تتحدث عن مستويات المخزون الاحتياطي النفطي الذي لا يزال بحوزتها، وهذه مصيبة كبيرة، لو كانوا يعلمون! لأن القلق الحقيقي ليس من نفاد النفط، وإنما من أنه لن يصبح ذا فائدة في وقت من الأوقات… وهو وقت قريب نسبيا، فمائة عام… بل وحتى مائتين، في مقاييس التخطيط الاستراتيجي للدول، ليست شيئا خارج نطاق الحسابات المستقبلية… مائة عام توازي عمر جيلين من البشر لا أكثر (أي خلال عمر الأحفاد).

وهنا يبزغ السؤال الجوهري، ما الذي فعلته الكويت استعدادا لتلك المرحلة؟ ما ألمسه وأتابعه هو أنها لم تفعل شيئا… الكويت كمن يسير بقدميه إلى زواله… وأتذكر في هذا الموضع ما كتبه بعض السياسيين منذ سنوات حول نفس الفكرة، من أن دول الخليج التي تتشابه في هذه الظروف (البشرية/السياسية/الاقتصادية) تعدو كونها دولا هلامية زائلة في غضون بضع عشرات من السنوات، لصالح الدول الأعتى في المنطقة.

دولة وحيدة… أو لنقل إمارة، في نفس المنطقة، واضح أنها انتبهت للأمر وأدركته حق الإدراك… إنها دبي.

دبي تحولت خلال السنوات الأخيرة من قطعة أرض صحراوية قاحلة، إلى بلد يستقطب مئات الآلاف من الناس شهريا من كل بقاع الدنيا، ولننتبه إلى أنها لم تكن تمتلك ثقلا اقتصاديا في الجانب النفطي أصلا. دبي عاكفة بدأب مستمر وببصيرة ثاقبة على بناء نفسها على مختلف الأصعدة الاقتصادية، وخصوصا في قطاع التكنولوجيا، والذي هو قطاع اقتصاد المستقبل مهما حصل به من تغيرات. ناهيك عن أصعدة كثيرة أخرى كالإعلام، والسياحة… وأيضا وربما الكثيرون لم ينتبهوا لهذا، على صعيد صناعة الخدمات الطبية!

الرسالة التي أريدها من كل ما سبق بسيطة للغاية وهي أنه ما لم تنظر الكويت وكل الدول النفطية إلى المستقبل بنظرة غير نفطية فإنها سائرة إلى نهايتها… دون أدنى شك!

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

Read more:
أحبه أكثر من نفسي!

مقال اليوم مختلف بعض الشيء، فاسمحوا لي. حين قرأت الحديث الشريف"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده...

سمك!

لأنشتاين عبارة ظريفة قالها عندما سألوه عن معنى نظريته الشهيرة حول النسبية، فقال: ضع يدك على فرن ساخن لدقيقة واحدة...

Close