عن الليمون الحامض أحدثكم

لا أعتقد أن أحدا اليوم، من سكان الحاضرة على الأقل، لا يعرف من هو هاري بوتر، أو لم يسمع به مطلقا، فهذه الشخصية الساحرة عن ذلك الساحر الصغير، وهي التي اخترعتها الروائية الإنجليزية جوانا رولينغ، أو لنقل ولدت في ذهنها لأول مرة، في العام 1990 خلال رحلة لها بالقطار من مانشستر إلى لندن، قد تحولت إلى واحدة من الشخصيات الروائية الأشهر في التاريخ الحديث.

وذلك بعدما فاقت شهرة سلسلة الروايات السبع التي كتبتها الروائية جوانا عن هذه الشخصية كل الحسابات، حتى بلغ عدد النسخ التي طبعت منها بكل اللغات العالمية تقريبا، أكثر من 400 مليون نسخة، وهو عدد كبير بكل المقاييس، وكذلك بعدما تم تحويلها أيضا إلى سلسلة أفلام فاقت شهرتها بدورها كل التوقعات، فدرت أكثر من سبعة مليارات دولار عبر شبابيك التذاكر، في صالات العرض ودور السينما حول العالم!

قصة النجاح الخارقة هذه، لم تنطلق من لحظتها الأولى بهذا الشكل الصاروخي المذهل أبدا، بل كانت أقرب إلى الفشل والتعثر في البداية، فبعدما انتهت المؤلفة من مخطوط روايتها الأولى “هاري بوتر وحجر الفلاسفة” عام 1995، تم رفض الرواية من قبل اثنتي عشرة دار نشر، حتى قبلتها دار نشر لندنية صغيرة تدعى “بلومزبري” بعد عام، ودفعت مقابلها 1500 جنيه للمؤلفة، كانت هي المبلغ الأكبر في حياة جوانا آنذاك لقاء شيء كتبته.

والطريف أن صاحب دار النشر طلب من المؤلفة أن تستمر بالبحث عن عمل، وأن لا تعلق آمالا عريضة على الرواية، لأن كتب الأطفال عادة لا تدر دخلا مرتفعا. وبعدها بعامين جرى مزاد علني حول حقوق نشر الرواية في الولايات المتحدة، ففازت بها دار “سكولاستيك إنك” بمبلغ 105 آلاف دولار، وهي اللحظة التي قالت عنها جوانا إنها كادت تموت من الفرح حين سمعت الخبر!

لم يتجاوز عدد النسخ من أول طبعة لرواية هاري بوتر وحجر الفلاسفة، أكثر من ألف نسخة في العام 1997، تم توزيع 500 منها على المكتبات. ولكن لم يمض أكثر من خمسة أشهر على صدورها حتى ابتسمت الأقدار لجوانا، ففازت الرواية بجائزة “نستله سمارتيز”، ثم فازت بجائزة الكتاب البريطاني لكتاب العام في أدب الطفل، وهي الجائزة البريطانية الأكثر أهمية.

وبدأت العجلة في الدوران صعودا إلى الأعلى، حيث صدرت الرواية الثانية “هاري بوتر وردهة الأسرار” في 1998 ففازت بجائزة سمارتيز للمرة الثانية، وصدرت الرواية الثالثة “هاري بوتر وسجين أزباكان” وفازت بالجائزة أيضا، لتكون جوانا الروائية الأولى التي تفوز بهذه الجائزة ثلاث مرات على التوالي، ولتنسحب من المشاركة بها في المرات التالية لتعطي غيرها الفرصة للفوز بها.

وصدرت “هاري بوتر وكأس النار” عام 2000 في بريطانيا والولايات المتحدة في آن واحد، لتكسر مبيعاتها كل الأرقام المسجلة في البلدين، حيث بيع أكثر من 350 ألف نسخة من الرواية في اليوم الأول لصدورها في بريطانيا وحدها، وثلاثة ملايين نسخة في اليومين الأولين للبيع في الولايات المتحدة الأميركية، ولتتوالى النجاحات السريعة بعد ذلك، حتى بلغ عدد ما كتبته جوانا من هذه السلسلة سبع روايات!

سلسلة هاري بوتر اليوم، بكل ما يندرج تحتها من كتب وأفلام، ومنتجات أخرى كملابس وألعاب وقرطاسية وغيرها، صارت علامة تجارية كبرى تساوي قيمتها لوحدها قرابة الخمسة عشر مليار دولار!

العبارة التنموية الشهيرة “اصنع من الليمون شرابا حلوا”، وهي العبارة التي أعلم بأنها عبارة مستفزة للسلبيين والمتشائمين دوما، تصدق تماما في حكاية جوانا مع روايتها هاري بوتر. فهذه الكاتبة قد استخدمت المصاعب والمشاكل التي تعرضت لها في حياتها، في صناعتها للعوالم الخيالية الساحرة في هذه الرواية، فكانت بحق كمن صنع من ليمون حياته الحامض شرابا حلوا، بل لقد صنعت من هذا الليمون أكثر من ذلك بكثير؛ صنعت منه نجاحا مبهرا بكل المقاييس والأشكال.

من ذلك، مثلا، أن بطلة الرواية “هيرميون” تمثل شخصية الكاتبة نفسها أثناء فترة مراهقتها المتعثرة، والتي واجهت صعوبات في الانسجام مع زملائها. فهي هنا كمن يحكي عن نفسه، وحكاية هاري بوتر ومشاعره بعد فقدان والديه، هي تماما مشاعرها عندما توفيت والدتها بعد صراع طويل مع المرض استمر عشرة أعوام عسيرة عليها، وتلك الكائنات الشريرة التي تمتص أرواح ضحاياها في الرواية والتي أسمتها “ديمنتور”.

جاءت فكرتها مما كانت تتعرض له من أفكار سوداء وضغوط نفسية أثناء فترة إصابتها بالاكتئاب الإكلينيكي، بعدما انفصلت عن زوجها من زواج لم يستمر أكثر من عام، ترك وراءه جوانا المحطمة مع ابنة صغيرة لا يتجاوز عمرها الستة أشهر، بلا عمل ولا وظيفة تعيش منها، لتضطر وقتذاك للعيش على أموال المعونة الاجتماعية.

هذه الفترة الصعبة والمليئة بالليمون الحامض من حياة جوانا رولينغ، هي التي جعلتها توظف كل طاقتها وقدرتها للانتهاء من كتابة روايتها، وكذلك للدراسة في ذات الوقت للحصول على شهادة تمكنها من العمل كمعلمة، وللعناية بطفلتها الصغيرة في ذلك الواقع الصعب. تقول جوانا عن هذه المرحلة: “كانت عندي آلة كاتبة قديمة وفكرة كبيرة، لذلك فإن بلوغي القاع كان هو الأساس القوي الذي بنيت فوقه حياتي”!

يا لها من قصة نجاح باهرة حقا يا سادتي.. ويا لها من إرادة صلبة.. ويا له من نموذج مدهش يستحق أن نتفكر فيه مليا.. ويا لها من عبارة: “إن بلوغي القاع كان هو الأساس القوي الذي بنيت فوقه حياتي”!

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

Read more:
سوار “جوبون أب” الالكتروني!

للتو وصلني سوار "جوبون أب" الالكتروني، وهو سوار يلف حول المعصم ويقوم "نظريا" بتسجيل الوظائف الحيوية للجسم،  وما شابه، ومن...

لا فائدة من نحر كبش فداء

أعتقد أن ما كتب هذه الأيام عن مشروع “كي – داو”، يتجاوز بكثير ما كتب عن هذا المشروع يوم طرح...

Close