ماذا ستفعل لو صادفت أسدا؟

من أراد أن يقرأ رواية من العيار الثقيل.. عميقة المشاهد.. كثيفة المعاني.. رواية تحفز عقل القاريء على البحث عن الدلالات، فعليه برواية حياة باي.. رواية مهمة جدا.. وهي من إصدارات دار الجمل.

نبذة موقع النيل والفرات عن الرواية:
تقوم “حياة باي” على تواطؤ خفي، عنوانه، وهذا جوهر الرواية في الوقت عينه: “اختيار القصة الأفضل”. هناك مثلما سيتضح للقارئ، الذي عليه أن يتحلى ببعض الصبر، سيناريوان لـ”ما جرى حقاً”، أو لما يزعم الكاتب يان مارتل بأنه جرى حقاً، في هذه القصة “الحقيقية”، وما على القارئ سوى أن يختار بين حقيقتين، أو بالأحرى بين زعمين، كل منهما يتساوى في درجة حدوثه أو لا حدوثه، أحدهما عقلاني، ومنطقي، والثاني سحري وعجائبي. الزعم الأول هو مما يمكن إيراده في التقارير الرسمية، والزعم الثاني ينتمي إلى عالم المرويات السحرية والخارقة. يبقى الاختيار رهناً بالقارئ نفسه. فإذا كانت الكتابة تشكل خمسين بالمائة من حياة الكتاب، بحسب مارتل، فإن القراءة تشكل الخمسين بالمائة الأخرى، وهذا ليس بالقول النظري، تحديداً في “حياة باي” حيث سيجد القارئ نفسه، في أكثر من محطة، مدفوعاً إلى الاختيار، وإلى التفكير، وإلى الاستنتاج، وباختصار إلى التفاعل.
وهذا التفاعل يبدأ قبل الوصول إلى مرحلة “اختيار القصة الأفضل”، بل عند كل مفصل من مفاصل الرواية، حيث يجد القارئ نفسه مدفوعاً باستمرار إلى التساؤل حول “صدقية” الأحداث التي يسردها الكاتب أو “واقعيتها”، وما إذا كان تمهيد هذا الأخير الذي يقول فيه إن ما سنقرأه هو سيرة شخص حقيقي، أم محض اختلاق جادت به مخيلة الكاتب. “أليس إخبار شيء ما يصبح دائماً قصة؟”، تتساءل الشخصية الرئيسية في الرواي، أي “باي” الذي يوضح أكثر بتساؤل آخر: “أليس استعمال الكمات لإخبار شيء ما، سواء أكانت هذه الكلمات إنكليزية أم يابانية، أمر فيه اختراع أساساً؟ أليس النظر في هذا العالم أمر فيه اختراع؟”. تساؤل يقدّم لنا أحد المفاتيح الأساسية لفهم الرواية، بل ويعيدنا إلى جوهر فن الرواية نفسه، الذي في أي حال من الأحوال لا يقاس بقدر ما يرسم الواقع بصورة تسجيلية، بل بقدر ما يتمكن من القبض على لبّ هذا الواقع أو “جرفه عن مساره وتحويله إلى شيء آخر” مثلما يقول مارتل. علينا إذاً أن نصدق الواقع الحكائي نفسه، قبل أن نبحث عن “الواقع” الذي تنجح الرواية أو لا تنجح في أن تعكسه. الحكاية كاستعارة لا تصحّ كثيراً هنا، بل الرواية كواقع قائم في حدّ ذاته.
بالتالي، لا يعود مهماً أن نصدّق ما إذا كان اسم الشخصية الرئيسية هو “بيسين”، وما إذا كان اعتنق بالفعل ثلاثة أديان دفعة واحدة أم لا، وما إذا كان ظل تائهاً في المحيط الهادئ أشهراً عدة، على قارب نجاة، بصحبة عدد من الحيوانات المفترسة، من بينها أسد، أم لا. تفاصيل قد يراها بعضهم مستحيلة لكن “أليس صعباً تصديق الحب؟”، مثلما يقول باي.

نظرتنا إلى الحياة (وتجربتنا) بالتالي هي التي تحدّد خياراتنا، وما الذي نصدقه أو نرفض تصديقه.

كاتب صحفي، وناشط مجتمعي، وطبيب اختصاصي في الصحة المهنية، من دولة الكويت.

  • saad7

    جميل جميل

    مبدع